القائمة الرئيسية

الصفحات

أحدث المقالات

البخل وانواعه (الكاتب والمؤلف ياسين النداوي)



المقدمة

الحمد لله رب العالمين، إله الأولين والآخرين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خالق الخلق أجمعين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، سيد الخلق أجمعين.
أما بعد:
فهذا البحث أقدمه إلى كل مسلم ومسلمة، أردت بها تذكير نفسي وغيري؛ حيث يظهر في أقوال وسلوك بعضنا شح وبخل، ويكون له تأثير في نقص إيماننا، وكراهية غيرنا لنا، وتفويت مصالح جمة لأمتنا.
هي رسالة إلى كل نفس لم توق شحها، ولم تنج من شر نفسها، وسيئات أعمالها، علها تجد مكاناً واسعاً في قلب كل واحد: إذ الإيمان والشح لا يجتمعان في قلب عبد أبداً .
وحسب الوسع والطاقة اجتهدت في جمعها وتنسيقها، ورصعتها بالآيات الكريمة والأحاديث النبوية، ودبجتها بالأخبار والآثار، وحرصت على انتقائها واختصارها، وعزو آياتها وأحاديثها وأخبارها، وأظهرت الحكم على أحاديثها، نقلاً من مظانها ونسبة كل كلام إلى صاحبه، اعترافاً بفضله، وحفظاً لحقه.
فمن نظر فيها فليأخذ أزينها، وليترك أشينها، وليمنن عليَّ بتعقُّب أو تصويب؛ فإن كل بني آدم خطاء، وكلٌّ يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي- صلى الله عليه وسلم -.
عسى الله أن يوفقني فيما أردت، وأن يكتب النفع فيما زبرت، والله أسأل أن يجعل أعمالنا كلها صالحة، ولوجهه خالصة، ولا يجعل لأحد فيها شيئاً.
والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والله ولي التوفيق والهادي إلى الصراط المستقيم.
التمهيد
نعم الله على خلقِه لا تُحصى ولا تُعدّ، وفضله على عبادِه عظيم لا يُحدّ.
فله تعالى عظيم الشكر وغاية الحمد، ومن رُزِق المال وعَرف حق الله فيه وُفِّقَ للخير وسعادة الأبد.
والشخ والبخل صفتان مذمومتان في كل إنسان، يطيع بهما نفسه وهواه والشيطان.
إن هذه الخصلة الذميمة والخلة الشنيعة، طهَّر الله منها أنبياءه، ووقى شر تأصلها في نفوس أوليائه، ولها أثر شنيع وخطر فظيع على الأفراد والمجتمعات؛ حيث تورث النفوس الهلع والطمع، وتركيزها في جل تحركاتها على الجمع دون الإنفاق، والأخذ دون العطاء، والخروج بالأموال عما أعطيت له، من جعلها وسيلة يُتقى الله فيها، ويُتقرّب إليها بها براً وإحساناً، وإنفاقاً في سبيله، وجبراً ومواساة لعباده، إلى جعلها هدفاً وغاية ووسيلة لمحاربة الله ومحاربة دينه بها، جبياً من غير حلٍّ، وإنفاقاً في معصية وتعاملاً بما حَرُمْ .
المبحث الأول :
وفيه مطلبان
المطلب الأول:البخل لغةً واصطلاحاً
البخل لغة: هو خلاف الكرم، ويقابله الجود.
البخل اصطلاحاً: قال الجرجاني: (( البخل هو المنع من مال نفسه )) ، وقال القرطبي: (( هو امتناع المرء عن أداء ما أوجب الله تعالى عليه )) 
المطلب الثاني: الفرق بين البخل والشح
قال ابن القيم: (( الشح: هو شدّة الحرص على الشيء، والإحفاء في طلبه، والاستقصاء في تحصيله، وجشع النفس عليه. والبخل: منع إنفاقه بعد حصوله، وحبه وإمساكه، فهو شحيح قبل حصوله، بخيل بعد حصوله.
فالبخل ثمرة الشح، والشح يدعو إلى البخل، والشح كامن في النفس؛ فمن بخل فقد أطاع شحه، ومن لم يبخل فقد عصى شحه ووُقِي شره، وذلك هو المفلح {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر:9]
قال الخطابي: (( الشح أعم من البخل، وكأن الشح جنس والبخل نوع، وأكثر ما يقال البخل في أفراد الأمور، والشح عام كالوصف اللازم وما هو من قبل الطبع )) ا.هـ.
وقال الحسن بن علي- رضي الله عنه (( البخل، أن يرى الرجل ما ينفقه تلفاً، وما يمسكه شرفاً )) ا.هـ
وقال الأحنف: (( البخل: طلب اليسير ومنع الحقير )) 
وكان ابن منبه يقول: (( أجود الناس في الدنيا من جاد بحقوق الله، وإن رآه الناس بخيلاً بما سوى ذلك، وإن أبخل الناس في الدنيا من بخل بحقوق الله، وإن رآه الناس كريماً جواداً بما سوى ذلك )) 
وقال الأزهري في معنى قوله تعالى: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولِئك هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر:9] أن من أخرج زكاته، وعفَّ عن المال الذي لا يحل له، فقد وقي شُحَّ نفسه )) 
المبحث الثاني
وفيه ثلاث مطالب
المطلب الأول: أسباب البخل
1- ضعف إيمان البخيل وسوء ظنِّه بالله، فهو يستثقل أمر الإنفاق، ويغفل عن تعويض الله له على ما أنفق، كما أنَّه يغيب عنه أنَّ هذا المال هو مال الله، وأنَّه لم يأتِ إلى الدُّنيا وبيده شيء منه.
2- الظلم سبب آخر من أسباب البخل، حيث ينتج عنه تعطيل لحقوق الآخرين.
3- حب المال والتعلق به يورث هذه الصفة الدنيئة، والسجية القبيحة.
4- الظنُّ بأنَّ البخل نوع من الذكاء والفطنة والتدبير لأمور الدنيا
5- الخوف من المستقبل، والهلع من الفقر والحاجة التي يعد بها الشيطان الرجيم.
6- الخوف على الأبناء؛ فالأبناء مبخلة مجبنة.
7- النشأة والتربية، فقد ينشأ الشخص بين والدين بخيلين، أو مجتمع يتصف بالبخل؛ فيتشرب هذه الصفة ممن حوله، وتصبح سجية له.
8- عدم استشعار ما ينتظر البخيل من العقوبة يوم القيامة.
9- الغفلة عن الأجور المترتبة على الإنفاق، والقيام بالحقوق الواجبة.
10- طول الأمل، والتشبث بالحياة.
المطلب الثاني: أنواع البخل
البخل أنواع: بخل بالمال، وبخل بالعلم، وبخل بالطعام، وبخل بالسَّلام، وبخل بالكلام، وبخل على الأقارب دون الأجانب، وبخل بالجاه، وكلُّها نقائص ورذائل مذمومة عقلاً وشرعاً
ومن أسوأ أصناف البخلاء أولئك الذين لا يقفُ بخلُهم عندَ أنفسهم، بل يَتَعَدّون ذلك ليصبحوا دُعاةً للبخل، فيأمرون النَّاس به، ويبخلون بمال غيرهم، فهُم كمن أبغض الجود حتى لا يحبون أن يُجَاد[2]، وهي النِّهاية في الحِرص والبخل، ولا يكتفون بذلك بل يتظاهرون بالحاجة والفقر والمسكنة مع الغنى واليسار، ويُخْفُون نِعَمَ الله التي أنعَمَ بها عليهم[3]، قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ﴾ [النساء: ٣٧][4] وهذا الكِتمان والإخفاء للنِّعم قد يقع منهم على وجهٍ يُوجِبُ الكفر، مثل أن يُظهر الشكاية عن الله تعالى ولا يرضى بقضائه وقدره، أو أن يكون من قبيل كفر النِّعمة لا الملّة، أو يكون التقدير: الذين يبخلون أعتدنا لهم عذاباً مهينًا، وأعتدنا ذلك للكافرين أمثالهم.
ومناسبة هذه الآية مع ما سبقها: أنَّ الله تعالى لما أمر بالإحسان إلى الوالدين ومن ذُكر معهما من المحتاجين على سبيل ابتداع أمرَ الله، بيّن أنّ من لا يفعل ذلك قسمان؛ أحدهما: البخيل الذي لا يُقدِم على إنفاق المال البتة حتى أفرط في ذلك وأمرَ بالبخل، والثَّاني: الذين ينفقون أموالهم رئاءَ النَّاس، لا لغرض امتثال أمرِ الله وطاعته، وقد ذمّ تعالى القسمين، بأن أعقب القسم الأوَّل بقوله: ﴿ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ ﴾، وأعقب الثاني بقوله: ﴿ وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً ﴾
ومثله قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ ﴾ [الحديد:٢٤] أي: عن الإنفاق في سبيل الله تعالى وأداء النفقات الواجبة، ثم قال: ﭽ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُﭼ[الحديد: ٢٤] أي: ومن يعرض عن الإنفاق فإنَّ الله غنيٌّ عنه وعن إنفاقه، فلا يضر الله شيئاً ولا يضر الفقير؛ لأنَّ الله غنيٌّ عن مال المتولِّين، محمود في ذاته، لا يضرُّه الإعراض عن شكره، ولا ينفعه التَّقرُّب إليه بشكر نعمه، وفيه تهديدٌ وإشعار بأنَّ الأمر بالإنفاق لمصلحة المنفق.
وأمَّا الشُّحُّ: فهو الحِرص على المنع، أو هو الحالة النفسية التي تقتضي المنع، أو هو كَزَازة النَّفس على ما عندَهَا، وقد أُضيف الشُّحُّ إلى النَّفس لأنَّه غريزة فيها[22]، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ ﴾ [الحشر: ٩، التغابن:16] أي: يخالف نفسه فيما يغلب عليها من حبِّ المال وبغض الإنفاق، ﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ أي: الفائزون بالثناء العاجل، والثَّواب الآجل[2]
فالبخل أثر للشحِّ، وهو أن يمنع أحدٌ ما يُراد منه بَذْلُه مع الحرص، قال تعالى: ﴿ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ ﴾ [النساء: ١٢٨] أي: جعل الشحّ حاضراً معها لا يفارقها، وأُضيف الشُّحُّ في هذه الآية إلى النفس، لذلك فهو غريزة لا تَسْلَم منها نفس[3].




ومن العلماء من يرى أنَّ الشُّحَّ هو البخل بأداء الحقوق، والحرص على أخذ ما ليس للمرء؛ لما فى قلبه من الشحِّ على ما فى يده، ومد عينيه إلى ما فى يد غيره[4].



ومنهم من يرى أنَّ الشح والبخل سواء، وأنَّهما قريبان في المعنى، وأنَّ التَّفريق بينهما عسير جداً.

ويرى الإمام القرطبي أنَّ المراد من قوله تعالى: ﭽ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِﭼ هو الشحُّ بالزكاة، وما ليس بفرض: من صلة ذوي الأرحام والضيافة وما شاكل ذلك، فليس بشحيحٍ ولا بخيل من أنفق في ذلك وإن أمسك عن نفسه، ومن وسَّع على نفسِه ولم ينفق فيما ذكرناه من الزكوات والطَّاعات فلم يُوْقَ شحَّ نفسِه





وقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّ من علامات السَّاعة أن يُلقى الشحُّ بين النَّاس، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يتقاربُ الزَّمان وينقص العمل، ويُلقَى الشُّحُّ، ويكثر الهرج"، قالوا وما الهرج؟ قال: "القتل، القتل"[3]. ومعنى: "يلقى الشح" أي: يُوضَع في القلوب[4].

والشحيح قد يحمله شُحُّه على حُرمان نفسه وأقرب النَّاس إليه ممَّا يحتاجونه، ومن ذلك ما روته عائشة رَضِيَ اللهُ عنها قالت: قالت هِنْدُ امْرَأةُ أَبي سفْيَانَ للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: إنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، وَلَيْسَ يُعْطِينِي مَا يَكْفيني وولَدِي إِلاَّ مَا أَخَذْتُ مِنْهُ، وَهُوَ لا يَعْلَمُ؟ قَالَ: "خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلدَكِ بِالمعْرُوفِ"


قال ابن قدامة: "أشدُّ درجاتِ البخل: أن يبخل الإنسانُ على نفسِهِ مع الحَاجة، فكم من بخيل يمسك المالَ، ويمرض فلا يتداوى، ويشتهى الشهوةَ فيمنعه منها البخلُ"

وقد عدّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صفة الشحِّ من شرِّ الصِّفات التي تنطوي عليها أخلاق الرِّجال، فعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "شَرُّ مَا فِي الرّجُلِ شُحٌ هَالع.."[1]، أي ذو هلع، ومعناه: أنَّه يجزع في شحِّه أشدَّ الجزع على استخراج الحقِّ منه، وهو إسناد مجازي، فقد أسند إلى الشح ما هو مسند إلى صاحبه مبالغةً، وعلى الاستعارة المكنية[2].

وفي إمساك المال والشحِّ به عن بذله فسادُ ذاتِ البين، ممَّا يؤدي إلى التهاجر والتقاطع، الذي يورث العداوة والتَّشاجر، فينتج عن ذلك سفكُ الدِّماء واستباحة ما حرَّم الله تعالى، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: "اتَّقُوا الظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاتَّقُوا الشُّحَّ، فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَن كَانَ قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُمْ عَلَى أَن سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ"[3].

وقد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنَّه كان يتعوَّذ بالله تعالى منَ الشُّحِّ، فعَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -4 كَانَ يَتَعَوَّذُ مِنَ الشُّحِّ، وَالْجُبْنِ، وَفِتْنَةِ الصَّدْرِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ.


ومن أنواع البخل: أن لا يُعطِي الإنسانُ من مال الله الذي أكرمه به إلَّا عن طريق النَّذر، وهو أن يلزم نفسَه بما لا يجب عليه خوفاً أو طمعاً، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا يأتي ابنَ آدمَ النذرُ بشيء لم يكن قُدِّرَ له، ولكن يُلقِيه النذرُ إلى القَدَرِ قَدْ قُدِّرَ له، فيستخرج اللهُ به منَ البَخِيْل، فيؤتيني عليه ما لم يكن يؤتيني عليه من قبل"، والواقع أنَّ النَّذر لا يغيِّر شيئاً من قدر الله تعالى، لأنَّ ما قدَّره اللهُ كائن، ولكنَّ البخيل من النَّاس هو من يجعل قيامَه ببعض الأعمال الصالحة من صدقة أو صوم مرهونة بدفع مخوفٍ منه، أو تحقيق مطموعٍ فيه، فكأنَّه لولا ذلك الشيء الذى طمع فيه أو خافه، لم يسمح بإخراج ما نذره لله تعالى ولم يفعله، فهو بخيل

ومع اختلاف العلماء في حكم النَّذر بين مُكَرِّه ومُسْتَحبٍ، إلَّا أنَّ الجميع مُتَّفقون على أنَّ الوفاء بالنَّذر إذا كان طاعة لله، فهو واجب لازم لمن قدر عليه.







ومن أنواع البخل: أن يبخل المسلمُ بتحيَّة السَّلام على من يلقاه ابتداء أو ردًّا[3]، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أبخلُ النَّاسِ مَن بخلَ بالسَّلَام"[4]، واستعمال صيغة أفعل تدلُّ على شدة بخل من يبخل بما لا يكلِّفُه من ماله شيئاً.


ومن أنواع البخل: أن يبخل المسلم بالصَّلاة على الحبيب - صلى الله عليه وسلم - عند ذكره، فعن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "البَخِيلُ مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ"[5]، بل إنَّه من أبخل النَّاس، فعن أبي ذر رضي الله عنه قال: خرجتُ ذات يوم فأتيتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ألا أخبركم بأبخلِ النَّاس؟"، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "من ذُكِرتُ عندَهُ فلم يُصَلِّ عَليَّ، فذلكَ أبخلُ النَّاسِ"[6]، فمن لم يصلِ على النَّبي - صلى الله عليه وسلم - إذا ذُكِرَ عندَه فقد منعَ نفسَهُ أن يُكتال لها يوم القيامة بالمكيال الأوفى، فهل تجد أحدًا أبخل من هذا؟

المطلب الثالث: عواقب البخل

1- الحرمان من الأجر المترتب على الإنفاق في أبواب الخير.

2- سبب في ضعف الإيمان واضمحلاله؛ لما فيه من سوء الظنِّ بالله.

3- كراهية الناس له، فهو مبغوض مكروه حتى من أقرب الناس إليه كزوجته وأبنائه وأقربائه، بل قد يصل بهم الحد إلى أن يدعوا عليه، ويتمنوا موته؛ حتى يستطيعوا التنعم بما حرمهم منه من أموال.

4- سبب لحرمان الرزق، فكما أن الإنفاق سبب في زيادة الرزق وسعته، فإنَّ البخل والشح سبب في تضييقه.

5- الوقوع في الإثم بسبب منعه لما يجب عليه من حقوق وواجبات.

6- حرمان البخيل الشحيح لنفسه ولغيره من لذائذ الدُّنيا المباحة.

7- ومن ضررهما في الدنيا تعريض مال الغني للضياع والنهب والسرقة والأحقاد، وفي عصرنا وغيره ظهور الحملات الشنيعة على الأغنياء المترفين، وانتشار الأفكار والنظريات المسماة بالاشتراكية التي ظهرت لتقويض أركان الرأسمالية

8- سبب لكشف عيوب المرء، وإظهارها للخلق.

قال شمس الدين السفيري: (والسخاء والكرم سبب لستر العيوب، والبخل والشح سبب جالب لكشفها كما أشار إليه بعضهم بقوله:

ويظهر عيب المرء في الناس بخله ويستره عنهم جميعًا سخاؤه

تغطَّ بأثواب السخاء فإنني أرى كلَّ عيب والسخاء غطاؤه)



9- الحرص على ملازمة الأسواق لجمع المال، والأسواق هي معشش الشياطين


10- البخل صنو لعدد من الأخلاق السيئة التي يجر بعضها بعضًا، كالجهل والحسد وسوء الظنِّ بالله وغيرها من الأخلاق الرديئة، (ولهذا قيل في حدِّ البخل: جهل مقرون بسوء الظن)

11- والبخل صفة غير لائقة بأهل الإسلام، بل هي سجية عرف بها اليهود قديمًا وحديثًا، قال الشوكاني: (البخل قد لزم اليهود لزوم الظلِّ للشمس، فلا ترى يهوديًّا، وإن كان ماله في غاية الكثرة، إلا وهو من أبخل خلق الله)

12- (البخل محو صفات الإنسانية، وإثبات عادات الحيوانية)

13- ما ينتظر البخيل والشحيح من عقاب أخروي وطول حساب، خاصة إذا كان بخله قد أداه إلى عدم تأدية ما فرض الله عليه من زكاة، وإنفاق على من تجب نفقتهم عليه.

14- إفساد العلاقات بين الناس وإعاقة الصلح بينهم:

قال تعالى: وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [النساء: 128]


قال السعدي: (اعلم أنَّ كلَّ حكم من الأحكام لا يتمُّ ولا يكمل إلا بوجود مقتضيه وانتفاء موانعه، فمن ذلك هذا الحكم الكبير الذي هو الصلح، فذكر تعالى المقتضي لذلك ونبَّه على أنَّه خير، والخير كلُّ عاقل يطلبه ويرغب فيه، فإن كان -مع ذلك- قد أمر الله به وحثَّ عليه ازداد المؤمن طلبًا له ورغبة فيه.وذكر المانع بقوله: وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ أي: جُبلت النفوس على الشحِّ، وهو: عدم الرغبة في بذل ما على الإنسان، والحرص على الحقِّ الذي له، فالنفوس مجبولة على ذلك طبعًا، أي: فينبغي لكم أن تحرصوا على قلع هذا الخلق الدنيء من نفوسكم، وتستبدلوا به ضدَّه وهو السماحة، وهو بذل الحقِّ الذي عليك؛ والاقتناع ببعض الحقِّ الذي لك. فمتى وُفِّق الإنسان لهذا الخلق الحسن سهل حينئذ عليه الصلح بينه وبين خصمه ومعامله، وتسهلت الطريق للوصول إلى المطلوب. بخلاف من لم يجتهد في إزالة الشح من نفسه، فإنَّه يعسر عليه الصلح والموافقة؛ لأنَّه لا يرضيه إلا جميع ماله، ولا يرضى أن يؤدِّي ما عليه، فإن كان خصمه مثله اشتدَّ الأمر)

المبحث الثالث :

وفيه مطلبان:

المطلب الأول: ذم البخل في القران الكريم(1)

البخل دليل على قلة العقل وسوء التدبير، وهو أصل لنقائص كثيرة، ويدعو إلى خصال ذميمة، ولا يجتمع مع الإيمان، بل من شأنه أن يهلك الإنسان ويدمر الأخلاق، كما أنه دليل على سوء الظن بالله عز وجل.

فالبخيل محروم في الدنيا مؤاخذ في الآخرة، وهو مكروه من الله عز وجل مبغوض من الناس، ومن هنا قال القائل: جود الرجل يحببه إلى أضداده، وبخله يبغضه إلى أولاده.

وقد تتسع دائرة البخل حتى تشمل امتناع المرء عن أداء ما أوجب الله تعالى عليه، فترى البعض يبخل بنفسه وماله ووقته، وقد يمتنع عن تأدية حقوق الله أو النفس أو الخلق.

والشح، أشد في الذم من البخل ويجتمع فيه البخل مع الحرص، وقد يبخل الإنسان بأشياء نفسه، وأشد منه دعوة الآخرين للبخل، قال تعالى: “الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ” (النساء: 37).

وقد يصل البخل بصاحبه إلى أن يبخل على نفسه، بحيث يمرض فلا يتداوى، وفي المقابل فأرفع درجات السخاء الإيثار، وهو أن تجود بالمال مع الحاجة إليه.

ومن الآيات القرآنية تذم البخل وصاحبه، قوله تعالى في كتابه العزيز “وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَللهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ” (آل عمران:180).


وقال: “الذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا” (النساء: 37).

وفي معرض ذم المنافقين، قال سبحانه “وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللهَ لئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقنَّ وَلَنكونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهم من فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وتَوَلّوا وّهُم مُّعْرِضونَ* فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَه بما أَخْلَفوا اللهَ مَا وَعدُوهُ وبِما كانوا يَكْذِبُونَ” (التوبة: 75-77).

وبيّن جل وعلا أن عائد البخل إنما هو(1) على النفس، فقال: “هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ” (محمد: 38).

وقال سبحانه: “الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ” (الحديد: 24).

وفي بيان مغبة البخل، قال سبحانه: “وَأَمَّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنَى * وَكذَّبَ بالحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ للعُسْرى” (الليل: 8-10).

وأما من الأحاديث الواردة في ذَمِّ البخل، كان من دعائه صلى الله عليه وسلم: “اللهم إنِّي أعوذُ بك من الهَمِّ والحَزَنِ، والعَجْزِ والكسَل، والبُخْلِ والجبنِ، وضلع الدّين، وغَلَبَة الرِّجَالِ…” (رواه البخاري ومسلم).

وعن عبد الله بن الشّخير رضي الله عنه، قال “أتيتُ النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ: “أَلْهَاكُمُ التَّكاثُرُ”.

قال: يقول ابن آدم: مالي، مالي. قال: وهل لك يا ابنَ آدم من مالكَ إلا ما أَكَلْتَ فأَفْنَيْتَ، أو لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أو تصدَّقْتَ فأمْضَيْتَ؟” (رواه مسلم).

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “ثلاثٌ مُنجيات: خشية الله تعالى في السّرِّ والعلانية، والعدل في الرضا والغضب، والقصد في الفقر والغنى. وثلاث مُهْلِكاتٌ: هَوَىً مُتَّبع، وشُحٌّ مُطاع، وإعْجابُ المرء بنفسه”. (رواه الطبراني والبزار وصححه الألباني).

وقال محمد بن المنكدر -رحمه الله تعالى، كان يُقال: إذا أراد الله بقوم شرًّا أمَّرَ عليهم شرارهم، وجعل أرزاقهم بأيدي بخلائهم.


وقال الضحاك -رحمه الله تعالى- في تفسير قوله تعالى: “إنَّا جَعَلْنَا في أعناقهم أغلالاً” (يس: 8)، قال: (البخل)… أمسك الله تعالى أيديهم عن النّفقة في سبيل الله فهم لا يُبصرون الهدى، وقال الشعبيُّ -رحمه الله تعالى “ما أدري أيُّهُما أبعد غورًا في جهنّم: البخل أو الكذِب”.

فإياك والبخل، فقد علمت ما جاء فيه من الذم، ودرِّبْ نفسك على الجود والكرم وتعامل مع الرب الكريم الذي لا تضيع عنده مثاقيل الذر.(1)

فما بالك وأنت تعيش في أيام مباركات من أيام الله، من شهر فضيل، العمل الصالح فيه بأضعاف مضاعفة من الأجر والجزاء، وكان صلى الله عليه وسلم أجود ما يكون في شهر رمضان المبارك، في الخير كله والتوسعه على أهله، فالبخيل حبيب الشيطان يكرهه الرب الرحمن، فكن أخي يرعاك الله، حبيب الرحمن، لا حبيبا للشيطان، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

المطلب الثاني : ذم البخل في الحديث النبوي الشريف

- عن أنس بن مالك، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((اللهم إني أعوذ بك من الهمِّ والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وضلع الدين، وغلبة الرجال ))

يقول ابن القيم تعليقًا على هذا الحديث: (...ثم ذكر الجبن والبخل فإنَّ الإحسان المتوقَّع من العبد إما بماله؛ وإما ببدنه؛ فالبخيل مانع لنفع ماله، والجبان مانع لنفع بدنه...)

وقال: (والجبن والبخل قرينان: فإن عدم النفع منه إن كان ببدنه فهو الجبن، وإن كان بماله فهو البخل)

- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل البخيل والمتصدق، كمثل رجلين عليهما جنتان من حديد، قد اضطرت أيديهما إلى ثديهما وتراقيهما، فجعل المتصدق كلما تصدق بصدقة انبسطت عنه، حتى تغشي أنامله وتعفو أثره، وجعل البخيل كلما همَّ بصدقة قلصت، وأخذت كل حلقة مكانها، قال: فأنا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: بإصبعه في جيبه، فلو رأيته يوسعها ولا توسع ))

قال ابن القيم تعليقًا على هذا الحديث: (لما كان البخيل محبوسًا عن الإحسان، ممنوعًا عن البرِّ والخير، وكان جزاؤه من جنس عمله؛ فهو ضيق الصدر، ممنوع من الانشراح، ضيق العطن، صغير النفس، قليل الفرح، كثير الهمِّ والغمِّ والحزن، لا يكاد تقضى له حاجة، ولا يعان على مطلوب، فهو كرجل عليه جبة من حديد قد جمعت يداه إلى عنقه، بحيث لا يتمكن من إخراجها ولا حركتها، وكلما أراد إخراجها أو توسيع تلك الجبة؛ لزمت كلُّ حلقة من حلقها موضعها، وهكذا البخيل كلما أراد أن يتصدق منعه بخله فبقي قلبه في سجنه كما هو)

- وعن جابر رضي الله عنه قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((يا بني سلمة من سيدكم قالوا: الجدُّ بن قيس وإنا لنبخِّله. قال: وأيُّ داء أدوأ من البخل؟! بل سيدكم الخير الأبيض عمرو بن الجموح )) قال: وكان على أضيافهم في الجاهلية، قال: وكان يولم على رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تزوَّج

قال المناوي: (أيُّ عيب أقبح منه؛ لأنَّ من ترك الإنفاق خوف الإملاق لم يصدق الشارع، فهو داء مؤلم لصاحبه في الآخرة، وإن لم يكن مؤلمًا في الدنيا)


- وعن جابر بن عبد الله، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إيَّاكم والظلم، فإنَّ الظلم ظلمات يوم القيامة، واتَّقوا الشحَّ، فإنَّ الشحَّ أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم ))

1-الدرر السنية / موسوعة الأخلاق /الأَخلاق المذمومةالبخل والشح /ذم البخل والشح والنهي عنهما / ثانيًا: ذم البخل والشح والنهي عنهما في السنة النبوية

قال النووي: (قوله صلى الله عليه وسلم: (واتقوا الشحَّ، فإنَّ الشحَّ أهلك من كان قبلكم). قال القاضي: يحتمل أنَّ هذا الهلاك هو الهلاك الذي أخبر عنهم به في الدنيا بأنهم سفكوا دماءهم، ويحتمل أنَّه هلاك الآخرة، وهذا الثاني أظهر، ويحتمل أنه أهلكهم في الدنيا والآخرة)

- وعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((يتقارب الزمان، وينقص العمل، ويُلقَى الشحُّ، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج )) قالوا: يا رسول الله، أيُّمَ هو؟ قال: ((القتل القتل))

قال ابن حجر: (أما قوله: ويلقى الشح. فالمراد إلقاؤه في قلوب الناس على اختلاف أحوالهم؛ حتى يبخل العالم بعلمه، فيترك التعليم والفتوى، ويبخل الصانع بصناعته حتى يترك تعليم غيره، ويبخل الغني بماله حتى يهلك الفقير، وليس المراد وجود أصل الشحِّ؛ لأنَّه لم يزل موجودًا)

وقال ابن الجوزي: (قوله: يلقى الشح. على وجهين: أحدهما يلقى من القلوب، يدل عليه قوله: ويفيض المال. والثاني: يلقى في القلوب، فيوضع في قلب من لا شحَّ عنده، ويزيد في قلب الشحيح. ووجه هذا أنَّ الحديث خارج مخرج الذمِّ، فوقوع الشحِّ في القلوب مع كثرة المال أبلغ في الذمِّ)

الخاتمة

البخل وهو كنز المال وجمعه وعدم إنفاقه في المباحات بحجة الخوف من عاديات المستقبل، والبخل خصلة ذميمة مكروهة تمنع الفرد من البذل والعطاء. والبخل يعد من أسوأ الصفات التي يكرهها الناس، على الأخص العرب، فهي بنظرهم من الصفات القبيحة التي تقلّل من الرجولة.

والبُخْلُ: ضِدُّ الكَرَمِ والجُودِ، وقد بَخِلَ بكذا: أي ضنَّ بما عنده ولم يجُدْ، ويقال: هو بخيل وباخل، وجمعه بخلاء. وقال الراغب الأصفهاني: (البُخْلُ: إمساك المقتنيات عما لا يحق حبسها عنه). وقال ابن حجر: (البخل هو منع ما يطلب مما يقتنى، وشره ما كان طالبه مستحقًّا، ولا سيما إن كان من غير مال المسئول).

اختلف أهل العلم في البخل والشح، هل هما مترادفان أم لكلِّ واحد منهما معنى غير معنى الآخر، وقد بين الطِّيبي أن الفرق بينهما عسير جدًّا. الشُّحُّ في اللغة: البُخْل مَع حِرْصٍ. قال النووي: (الشحُّ: هو البخل بأداء الحقوق، والحرص على ما ليس له). وقال الطبري: (الشحُّ: الإفراط في الحرص على الشيء).

وفرَّق ابن عمر بين الشحِّ والبخل، فقال: (ليس الشحيح أن يمنع الرجل ماله، ولكنه البخل، وإنه لشرٌّ، إنما الشحُّ أن تطمح عين الرجل إلى ما ليس له). وقيل أنهما مترادفان لهما نفس المعنى. وقيل: (البخل هو نفس المنع، والشحُّ الحالة النفسية التي تقتضي ذلك المنع). ويرى ابن مسعود رضي الله عنه: أن البخل هو البخل بما في اليد من مال، أما الشح فهو أن يأكل المرء مال الآخرين بغير حقٍّ، فقد (قال له رجل: إني أخاف أن أكون قد هلكت قال: وما ذاك قال: إني سمعت الله يقول: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. وأنا رجل شحيح، لا يكاد يخرج مني شيء، فقال له ابن مسعود: ليس ذاك بالشحِّ، ولكنه البخل، ولا خير في البخل، وإنَّ الشحَّ الذي ذكره الله في القرآن أن تأكل مال أخيك ظلمًا). وقال ابن القيم أنَّ (الفرق بين الشحِّ والبخل: أنَّ الشحَّ هو شدة الحرص على الشيء، والإحفاء في طلبه، والاستقصاء في تحصيله، وجشع النفس عليه، والبخل منع إنفاقه بعد حصوله، وحبه، وإمساكه، فهو شحيح قبل حصوله، بخيل بعد حصوله، فالبخل ثمرة الشحِّ، والشحُّ يدعو إلى البخل، والشحُّ كامن في النفس، فمن بخل فقد أطاع شحَّه، ومن لم يبخل فقد عصى شحَّه ووقي شرَّه، وذلك هو المفلح ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾).

قيل أيضا: إنَّ الشحَّ هو البخل مع زيادة الحرص، وهو ما رجَّحه القرطبي، فقال: (وقيل: إنَّ الشحَّ هو البخل مع حرص. وهو الصحيح لما رواه مسلم عن جابر بن عبد الله أنَّ رسول الله ﷺ قال: ((اتَّقوا الظلم؛ فإنَّ الظلم ظلمات يوم القيامة، واتَّقوا الشحَّ؛ فإنَّ الشحَّ أهلك من كان قبلكم؛ حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلُّوا محارمهم)). وهذا يردُّ قول من قال: إنَّ البخل منع الواجب، والشحُّ منع المستحب. إذ لو كان الشحُّ منع المستحب لما دخل تحت هذا الوعيد العظيم، والذمِّ الشديد الذي فيه هلاك الدنيا والآخرة. ويؤيد هذا المعنى ما رواه النسائي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ: ((لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في منخري رجل مسلم أبدًا، ولا يجتمع شحٌّ وإيمان في قلب رجل مسلم أبدًا))




المصادر

1. ينظر: (( المعجم الوسيط )) ص41، (( المفردات )) للأصفهاني, ص48، (( القاموس المحيط )) للفيروز آبادي, ص1247، (( التعريفات )) للجرجاني 42-43، (( الجامع لأحكام القرآن )) للقرطبي، 5/126.

2. الآداب الشرعية ، لابن مفلح ج 3 صـ 303-304

3. روضة العقلاء ونزهة الفضلاء ، لابن حبان صـ196

4. لسان العرب ، لابن منظور ج 4 صـ2205

5. -الدرر السنية/ موسوعة الأخلاق / الأَخلاق المذمومة/ البخل والشح/ أسباب الوقوع في البخل والشح

6. انظر: البحر المحيط لأبي حيان 3: 256 - 257.

7. انظر: فيض القدير للمناوي 2: 404.

8. انظر: تفسير الرازي 10: 80.

9. من المفسرين من حمل هذه الآية على الكفار من أهل الكتاب، إلا أن معناها أعم من ذلك. انظر: تفسير القرطبي 5: 193.

10. انظر: تفسير الرازي 10: 80.

11. انظر: التحرير والتنوير 5: 52.

12. 3انظر: البحر المحيط لأبي حيان 3: 256.

13. انظر: تفسير الرازي 29: 250، تفسير البحر المحيط 8: 246، تفسير التحرير والتنوير 28: 94.

14. انظر: تفسير البيضاوي 5: 320.

15. انظر: تفسير التحرير والتنوير 28: 94.

16. انظر: إكمال المعلم للقاضي عياض 8: 166.

17. انظر: تفسير القرطبي 18: 29، تفسير ابن عاشور 28: 94.

18. انظر: تفسير القرطبي 18: 29.

19. انظر: تفسير البيضاوي 5: 303، تفسير ابن عاشور 27: 413

20. أخرجه البخاري برقم 5690، ومسلم برقم 157.

21. انظر: شرح مسلم للنووي 16: 221.

22. أخرجه البخاري برقم 2097، ومسلم برقم 1714.

23. مختصر منهاج القاصدين ص205.

24. أخرجه أحمد في المسند 2: 302 برقم 7997، وأبو داود برقم 2511، وابن حبان في صحيحه 8: 42 برقم 3250، وإسناده صحيح.

25. انظر: شرح المشكاة للطيبي 5: 1530.



26. انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية 40: 138 - 139.

27. انظر: شرح ابن بطال للبخاري 6: 155.

28. انظر: التنوير للصنعاني 3: 552.

29. أخرجه الطبراني في الأوسط 5: 371 برقم 5591، قال المنذري في الترغيب والترهيب 3: 288: بإسناد جيد قوي، وذكره المنذري في المجمع 8: 67 برقم 12739 وقال: لا يروى عن النبي r إلا بهذا الإسناد، ورجاله رجال الصحيح غير مسروق بن المرزبان، وهو ثقة. وروي أيضاً عن عبد الله بن مفضل في معاجم الطبراني الثلاثة بإسناد جيد كما قال المنذري 1: 198.

30. أخرجه أحمد في المسند 1: 201 برقم 1736، والترمذي برقم 3546 وقال: حديث حسن صحيح، والنسائي في السنن الكبرى 5: 34 برقم 8100، وابن حبان في صحيحه 3: 189 برقم 909، والحاكم في المستدرك 1: 734 برقم 2015 وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

31. ذكره المنذري في الترغيب والترهيب 2: 332 برقم 2601 وقال: رواه ابن أبي عاصم في كتاب الصلاة.

32. انظر: فيض القدير 2: 404.

33. الدرر السنية/موسوعة الأخلاق / الأَخلاق المذمومة/ البخل والشح/ آثار البخل والشح



34. الدرر السنية / موسوعة الأخلاق /الأَخلاق المذمومةالبخل والشح /ذم البخل والشح والنهي عنهما / ثانيًا: ذم البخل والشح والنهي عنهما في السنة النبوية
author-img
اهلا بكم الابداع الهندسي

تعليقات