المقدمة
بسم الله الخالق البارئ المُعين وصلاةٍ وسلامٍ على الهادي البشير، أما بعد؛ فإننا نحمد المولى عز وجل أن هدانا إلى هذا العمل وأن اصطفانا لنكون ممن يحملون كتابه ويعملون على نشر العلم والمعرفة الدينية الصحيحة بين جموع المسلمين، حيث أننا قد تناولنا في هذا البحث إحاطة تامة وشاملة لقضية (شروط انعقاد عقد الزواج في الفقه الاسلامي)، ولقد تمكنا بفضلًا من الله أولًا ثم مجهودًا مثخلصًا أن نتوصل إلى جميع الآراء التي قد وردت في هذه النقطة الفقهية على مر العصور؛ حتى توصلنا إلى أكثر الآراء اجماعًا وتوثيقًا وصحة، وقمنا بصياغتها وعرضها لكم عبر هذا البحث، بعد أن تم تنقيحه ومراجعته بواسطة كبار أساتذة الفقه الإسلامي، ونأمل أن يكون هذا العمل خالصًا لله تعالى ونافعًا لأبناء الأمة.
المبحث الأول
المطلب الأول
1-تعريف الشرط لغةً واصطلاحاً :
الشرط لغة بفتحتين: العلامة، والجمع أشراط، والشرط بفتحة وسكون جمع شروط، قال الفيروزاباذي: الشرط: إلزام الشيء والتزامه في البيع ونحوه
وفي الاصطلاح: هو ما يتوقف وود الحكم وجودًا شرعيًّا على وجوده، ويكون خارجًا عن حقيقته، ويلزم من عدمه عدم الحكم
فإن كلا منهما يتوقف عليه وجود الشيء دون وجوبه، ويلزم من عدمه عدم الشئ ، هذا فيما يخص الشرط الشرعي لا اللغوي، لأن الثاني يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم كالسبب.
مثاله: كما لو قال رجل لآخر: إن سافر مدينك فأنا كفيله حتى يرجع، أو قال لعبده: إن حفظت كتاب الله ، فأنت حر، أو قال لمطلقته رجعيا: إن قرأت آداب المعاشرة فقد راجعتك.
أما الركن: فيمثل له بالركوع والسجود إذ هما ركنان يتوقف عليهما وجود الصلاة ، فإذا اختلا أو واحد منهما بطلت الصلاة؛ وكذا الإيجاب والقبول في العقود، فإنه رکن يتوقف عليه وجود العقد، وبعدمه لا يتصور وجود العقد.
أما الشرط الشرعي: فيمثل له بالحول، فإنه شرط للنصاب، فإذا حصل مكملا للسبب ترتب عليه حكم الزكاة، وكذا حرز المثل بالنسبة للمسروق، فإنه شرط له، إذ لا بد للمال المسروق حتى يعتبر سرقة يترتب الحكم عليها أن يؤخذ من حرز مثله، وأن يكون خفية.
والحق أن هذا المعنى: أي ما يوجد الحكم عند وجوده ، و ينعدم عند عدمه (ليس مطردا في جميع الأمثلة ، إلا إذا قيدنا غير المطرد منها بقولنا: إذا لم يكن عذر يعجز به المكلف عن تحصيل الشرط) 1؛ لأن ثمة شروطا لا تترتب عليها مشروطاتها مقرونة بعذر؛ كطهارة الثوب فإنها شرط لصحة الصلاة، فإذا دخل المكلف في الصلاة، ثم أدرك أثناءها أنه قد نال ثوبه نجاسة، ولم يستطع إزالتها، فصلاته صحيحة؛
وكذا ستر العورة، فإنه شرط لصحة الصلاة، فإذا انكشفت العورة، ولم يفحش المكشوف ولو طال الزمن لم يعد الصلاة إن لم يتعمده. 2
أما الفرق:
فإن الركن جزء من ماهية الشيء بخلاف الشرط فإنه خارج عنها؛ فالإيجاب والقبول رکن عقد النكاح، وهو جزء منه، وحضور الشهود شرط فيه، وهو خارج عنه، وكذا الركوع أو السجود فإنه ركن الصلاة وهو جزء منها، والطهارة شرط في صحة الصلاة، وهي خارجة عنها.
على أن العبادات إذا فقدت ركنا أو شرط، فحكمها واحد وهو البطلان عند المذاهب جميعها؛ أما المعاملات فإذا فقدت رکنا أو شرطا فحكمها البطلان عند الجمهور، إذ الفعل عندهم لا يتجاوز أحد أمرين (الصحة أو البطلان)، بخلاف الحنفية فهم يفرقون بين العبادة ، والمعاملة،
ففي الأولى يوافقون الجمهور، أما الثانية ففعلها يتردد بين أحكام ثلاث (الصحة أو البطلان أو الفساد)، فإذا فقد ركنا فالبطلان، وإذا فقد شرط فالفساد.
3- تعريف شروط الانعقاد
اختلف الفقهاء في تصنيف أركان العقد وشروطه، وهو في مجمله خلاف اصطلاحي لا علاقة له بالأحكام، ومع ذلك فإنه من المهم الاطلاع على هذه التصنيفات، ليسهل التعرف من خلالها علـى وجوه الاختلاف العامة، وعلى مدى الأهمية التي تكتسيها بعض نواحي عقد الزواج على البعض الآخر بحسب رؤية الفقهاء لفلسفة الزواج ومقاصده في الشريعة الإسلامية.
تصنيف المالكية:
اختلف فقهاء المالكية في تصنيف أركان الزواج، ومن أشهر تلك التصنيفات:
تصنيف جمهور المالكية:
صنف جمهور المالكية" أركان النكاح إلى أربعة إجمالا وخمسة تفصيلا، وهي:
الولي: ولا يصح الزواج بدونه، وشروطه هي: وهي الإسلام والبلوغ والعقل والذكورية، واختلف في اشتراط العدالة والرشد فقيل يعقد السفيه على وليته ،وقيل يعقد وليه.
الصداق: فلا يصح نكاح بغير صداق، لكن لا يشترط ذكره عند عقد النكاح لجـواز نـكـاح التفويض فإنه عقد بلا ذكر مهر ، فإن تراضيا على إسقاطه أو اشترطا إسقاطه أصلا، فإن النكاح لا يصح
المحل: أي ما تقوم به الحقيقة، وهي لا تقوم إلا من الزوج والزوجة الخاليين من الموانع الشـرعية كالإحرام والمرض وغير ذلك، لأن المحل من الأمور النسبية التي لا تقوم إلا بمتعدد، وللمحل نوعان من الشروط عند المالكية هي شروط صحة النكاح:وهي الإسلام في نكاح مسـلمة، والعقـل والتمييز وتحقيق الذكورية ،وشروط انعقاد النكاح: وهي الحرية والبلوغ والرشـد والصـحة والكفاءة
الصيغة: وهي ما صدر من الولي ومن الزوج أو من وكيلهما الدالة على انعقاد، وشروط الصيغة هي: أن تكون بما يقتضي الإيجاب والقبول، كلفظ التزويج والتمليك ويجري مجراهما، وألا تكون معلقة على شرط غير محقق، وأن تكون فورا من الطرفين، فإن تراخي فيه القبول عن الإيجاب يسيرا جاز، وأن يكون اللفظ على التأبيد
* واعتبار هذه الخمسة أركانا ـ بمعنى أن يكون كل واحد منها جزءا من ماهية العقد ـ من باب التجوز، وباعتبار انعدام الماهية بانعدامها، غير أن هذا رد بعدم اعتبار الشهود ركنا في العقد.
*تصنيف الحطاب المالكية: وهو اعتباره الزوج والزوجة ركنين لا ركنا واحدا، لأن حقيقة النكاح لا توجد إلا بهما، أما الولي والصيغة فشرطان لخروجهما عن ذات النكاح، أما الصداق والشهود فلم يعدهما من الأركان ولا من الشروط لوجود النكاح بدونهما، لأن المضر إسقاط الصداق والدخول بلا شهود. وقد رد عليه بأن حقيقة النكاح، وهي العقد المخصوص لا تتحصل إلا بالصيغة كمـا أنـه لا يتحصل إلا بالزوج والزوجة من حيث إنهما محلان لا من حيث إنهما مقومان لحقيقته"
تصنيف الشافعية:
صنف الشافعية" أركان الزواج إلى أربعة أركان، وهي: الصيغة والزوجة والشهادة والعاقدان، وقد يعبر عن العاقدين بالولي. وقد اختلف في عد الزوجين ركنا واحدا أوركنين منفصلين، لأنه يعتبر في كل منهما ما لا يعتبر في الآخر أو لتعلق العقد بهما. وقد علل بعضهم عدم ذكر االصداق في أركان النكاح بخلاف الثمن في البيع، لأن الغرض مـن النكاح الاستمتاع وتوابعه وذلك قائم بالزوجين فهما الركنان . وقد ذكر بعضهم أن أركان النكاح تشمل الإيجاب والقبول فقط، لأن النكاح العقد المركب من الإيجاب والقبول ، وهذه الأمور التي ذكروها لم تتركب منها ماهيته كما هو مقتضـ بالأركان، لأن الركن ما تتركب منه الماهية كأركان الصلاة. وأجابوا عن ذلك بأن المراد بالأركان ما لا بد منها فيشمل الأمور الخارجة كالشاهدين، فإنهما خارجان عن ماهية النكاح ولهذا اعتبرهما الغزالي شرطين
تصنيف الحنابلة: صنف الحنابلة أركان الزواج إلى ثلاثة هي: الزوجان الخاليان من الموانع، والإيجاب، والقبول، وقد أسقط بعضهم الزوجين كما في المقنع والمنتهى وغيره لوضوحه، ولأن ماهية النكاح مركبة مـن الإيجاب والقبول ومتوقفة عليهما ولا ينعقد النكاح إلا بهما.
تصنيف الحنفية: اعتبر الحنفية" ركنا واحدا للزواج هو الإيجاب والقبول، لأن الانعقاد هو ارتباط أحد الكلامـــــين بالآخر على وجه يسمى باعتباره عقدا شرعيا، ويستعقب الأحكام، وذلك بوقوع الثاني جوابا معتبرا محققا لغرض الكلام السابق ، ويسمع كل من العاقدين كلام صاحبه ، والكلامان هما الإيجاب والقبول.
طريقة الحنفية في تقسيم الشروط:
صنف الحنفية الشروط من حيث أثر وجودها أو فقدانها إلى الأصناف التالية":
۱ ـ شروط الانعقاد: وهي التي يلزم توافرها في أركان العقد، أو في أسسه وإذا تخلف شرط منها كان العقد باطلا باتفاق، وخلاصة شروط الانعقاد عندهم هي:
ما يرجع إلى محل العقد:
ويشترط لمحل العقد شرطان هما:
* أن يكون كل من العاقدين لمباشرة العقد بأن يكون مميزاً، سواء كان كامل الأهلية كالبالغ الرشيد أو ناقصها كالصبي المميز، غير أن كامل الأهلية عقده نافذ، وناقصها عقده موقوف.
*أن يعلم كل من العاقدين ما صدر من الآخر، بأن يسمع كلامه أو يرى إشارته ويعرف مراده منها، وأن يعرف أن هذه العبارة أو تلك الإشارة يقصد بها إنشاء العقد وإن لم يعرف معاني أهلا الكلمات اللغوية.
ما يرجع إلى الصيغة:
اتحاد مجلس الإيجاب والقبول. أن يوافق القبول الإيجاب حتى يتلاقيا على شيء واحد. أن تكون الصيغة منجزة.
*بأن تكون مفيدة لمعناها في الحال غير معلقة على أمـر سـيحدث المستقبل
ما يرجع إلى المحل: وهو المرأة المعقود عليها فيشترط فيها:
أن تكون أنثى محققةالأنوثة.
ألا تكون المرأة محرمة عليه تحريماً قطعياً لا شبهة فيه.
۲ ـ شروط الصحة: ويترتب على تخلف شيء منها بطلان العقد أو فساده على الخلاف بين الجمهور والحنفية في ذلك، والذي سنشرحه في محله، وشروط الصحة عند الحنفية هي:
ألا تكون المرأة محرمة على الرجل الذي يريد التزويج بما تحريماً ظنياً، بأن كانت حرمتها ثابتة بدليل ظني أو مما يخفى تحريمها للاشتباه في أمره.
أن يكون العقد أمام شهود.
۳ ـ شروط النفاذ: العقد إذا كان مستوفياً لأركانه وشروط صحته لا تترتب عليه آثاره بالفعل إلا بشروط تسمى في عرف الفقهاء بشروط النفاذ، ويجمعها أن يكون لكل من العاقدين الحق في إنشاء عقد الزواج، ويتحقق ذلك بكمال أهليتهما مع وجود صفة شرعية تجيز لهما إنشاء هذا العقد، وكمال الأهلية بالحرية والبلوغ والعقل، والصفة هي الأصالة أو الولاية أو الوكالة.
* 4 ـ شروط اللزوم: هي الشروط التي إذا تحققت كلها لم يكن لأحد الحق في فسخ العقد، فإن تخلفت تلك الشروط أو بعضها كان العقد غير لازم يجوز فسخه إذا طلب ذلك صاحب الشأن، ويشترط للزوم عقد الزواج إجمالاً أن يكون خالياً مما يوجب الفسخ، ويتحقق ذلك بتوفر الشروط التالية:
كفئاً للزوجة إذا زوجت نفسها وهي كاملة الأهلية، أي بالغة عاقلة رشيدة.
ألا يقل مهرها عن مهر أمثالها من قوم أبيها إذا زوجت نفسها ولو كان الزوج كفئا لها.
أن يكون المزوج لفاقد الأهلية أو ناقصها كالمجنون والمعتوه والصغير والصغيرة الأب أو الجـد أن يكون الزوج المعروفين بحسن التصرف والاختيار.
• ألا يكون الزوج قد غرر في أمور تتعلق بكفاءته، كأن يدعي نسباً معيناً تم الزواج على أساسه ثم ظهر كذبه كان العقد غير لازم بالنسبة إلى طرف الزوجة فلها أو لوليها حق طلب الفسخ.
مذهب الزيدية:
ولهم تقسيم خاص تميزوا به عن غيرهم، فقد نصوا على أن شروط الزواج التي لا يصح إلا بما أربعة، وهي:
الشرط الأول: العقد: وله خمسة أركان هي:
• الولي، ويشترط أن يكون بالغا عاقل ولو كان فاسقا ذكرا حرا لأنه لا ولاية لامرأة ولا لعبد على ملتها.
أن يعقد بلفظ تمليك خاص للتزويج كزوجت أو أنكحت أو نحوهما أو عام كملكت ونـذرت وتصدقت وبعت ووهبت حسب ما يقتضيه العرف.
أن يكون لفظ التمليك متناولا لجميعها أو بعضها، إذ هو المقصود بالتمليك بالنـكـاح فيقـول:
زوجتكها أو ملكتك إياها أو زوجتك بعضها أو ملكتك بعضها.
الشرط الثاني: إشهاد عدلين، فلا يصح العقد إلا بحضور شاهدين وسماعهما الإيجاب والقبول تفصيلا وإن لم يقصد إشهادهما
أن يقع قبول لعقد النكاح مثله، لأن من حق العقد أن يكون ماضيا مضافا إلى النفس مشتملا على جميعها أو بعضها ، فيقول فيه زوجتك أو أنكحتك ويصح بدون كاف الخطاب فيقول زوجت أو أنكحت .
الشرط الثالث:
هو رضاء الحرة والمكاتبة المكلفة، وهي البالغة العاقلة ومن شرط الرضاء أن يكون نافذا بأن تقول رضيت أو أجزت أو أذنت أو نحو ذلك مما يدل على أنها قد قطعت بالرضا ، فرضاء الثيب يكون بالنطق بماض وذلك بأن تقول رضيت أو نحو ذلك ، فأما لو قالت سوف أرضى أو ما في ه أن يكون القبول واقعا في المجلس الذي وقع فيه الإيجاب وهو ما حواه الجدار في العمران وما يسمع فيه الخطاب المتوسط في الفضاء. الشرط الثاني: إشهاد عدلين، فلا يصح العقد إلا بحضور شاهدين وسماعهما الإيجاب والقبول تفصيلا وإن لم يقصد إشهادهما. حكمه فإنه ليس برضاء وإنما هو وعد بالرضاء. ومما يقوم مقام النطق القرائن القوية كقبض المهر وطلبه والتهيؤ للزواج ومسيرها إلى بيت الزوج ومد يدها للحناء هذا إذا لم يدخل هذه القرائن احتمال كأن يكون الولي مهيبا تخشى منه إن لم ترض أن تكون هذه القرائن رضى. فلا يصح
الشرط الرابع:
تعيين المرأة حال العقد، وكذا تعيين الزوج فلا يكفي قبلت لأحد أولادي.
مذهب الامامية :
والظاهر أن مذهب الإمامية يقصر العقد على الصيغة، فقد نصوا عند الحديث عن العقـد أن النكاح يفتقر إلى إيجاب وقبول ، دالين على العقد الرافع للاحتمال. ونصوا على أنه لا يشترط في نكاح الرشيدة حضور الولي ، ولا في شيء من الأنكحة حضـور شاهدين ، ولو أوقعه الزوجان أو الأولياء سرا جاز ، ولو تآمرا بالكتمان لم يبطل. ونصوا على أنه يشترط في النكاح ، امتياز الزوجة عن غيرها بالإشارة أو التسمية أو الصفة فلـو زوجه إحدى بنتيه، أو هذا الحمل ، لم يصح أما نكاح المتعة وهو النوع الثاني من أنواع النكاح عندهم، فأركانه أربعة: الصيغة والمحل، والأجل ، والمهر"، وسنتحدث عن هذه الأركان الأربعة عندهم في محلها الخاص من
مذهب الإباضية: الظاهر من مذهبهم قصر العقد على الصيغة، وقد نصوا على أنه يجوز عقد النكاح مـن ولي أو نائبه مع زوج أو نائبه ، ولا يجوز – قيل – لولي امرأة أن يوكل غير ثقة ، فإن فعل جدد ولا يفـرق بينهما إن دخل ، ولا يقبل من مدعي وكالة إلا بصحة. وجاز للشهود أن يشهدوا على هذا القول ، وإن ادعت أن وليها وكلها في تزويج نفسها لم يقبل عنها ولم يجز ولو بينت ، وقيل: يجوز وتصدق إن كانت ثقة ، وقيل: مطلقا ومن ادعى أنه ولي فوكل أو زوج جاز ما لم يرب ، وقيل: إن أقرت ، وقيل إن كانت بنتا أو أختا، وقيل: إن كانت بنتا ، وقيل: لا مطلقا إلا بالصحة، ونصوا على وجوب افشهاد على الزواج".
التصنيف الذي نعتمده:
نرى أن أولى تصنيف لأركان الزواج هو اعتبار ثلاثة أركان للزواج هي: المحـل مـن الـزوج والزوجة، والشهادة على الزواج وإشهاره، وصيغة الزواج الدالة على التراضي، ، أما سائر ما عد مـن الأركان فهي شروط يراعي أكثرها الجانب الشكلي من الزواج دون أي تأثير في العقد نفسه. فالولي مثلا عند القائلين به مجرد وسيط بين العاقدين الحقيقيين اللذين هما الزوج والزوجة، ولهذا لا تأثير له على الأرجح ـ كما سنرى ـ في جبر موليته على الزواج بمن لا ترغب فيه، ولا بعضلها عمن ترغب فيه. أما اعتبار الإشهار أو الإشهاد أو التوثيق ركنا، فلما ورد من أن الفرق بين الزواج والسفاح هو
إعلان الزواج، والضرب عليه بالدف الذي هو كناية عن هذا الإشهار، ولأن الإشهاد هو الوسيلة الوحيدة التي تحفظ بها حقوق الزوجة، وما يترتب عن الزوجية من آثار كنسب الولـد واستحقاق والغرض من الإرث وغير ذلك من الحقوق والآثار. هذا التصنيف هو تيسير الزواج من ناحية سهولة تحصيله للقادر عليه، والتشديد في ناحية المحافظة على الحقوق والآثار المترتبة عنه. وقد أصاب المذهب الحنفي في الناحية الأولى، فهو أيسر المذاهب في ذلك، ولكنه لم يصـب في الثانية، فقد وسع فيه الحنفية فجوزوه بلا ولي ومن غير اشتراط عدالة الشهود ، و لم يفسدوه بالشروط المفسدة ، و لم يخصوه بلفظ النكاح والتزويج ، بل قالوا: ينعقد بما يفيد ملك العين للحال ، وصححوه بحضور ابني العاقدين وناعسين وسكارى يذكرونه بعد الصحو ، والغرض من كل ذلك تيسير الزواج على مريده، ودفعا لفاحشة الزنا وما يترتب عنها، (ومن هنا قيل: عجبت لحنفي يزني) وسنفصل في بيان الأدلة على ما اعتمدناه هذا التصنيف عند الحديث عن هـذه الأركـان والشروط المرتبطة بها،
المطلب الثاني
صيغة العقد والالفاظ التي تتحقق بها
1- تعريف الايجاب:
الإيجاب: إثبات الفعل الخاص الدال على الرضا الواقع أولاً من كلام أحد المتعاقدين، أو ما يقوم مقامه، سواء وقع من المملك أو المتملك 1. فقول العاقد الأول في البيع هو الإيجاب، سواء صدر من البائع أو من المشتري. فإذا قال البائع أولاً (بعت) فهو الإيجاب. وإذا ابتدأ المشتري الكلام فقال: (اشتريت بكذا) فهو الإيجاب.
2- تعريف القبول
والقبول: ما ذكر ثانياً من كلام أحد المتعاقدين، دالاً على موافقته ورضاه بما أوجبه الأول .
3- صيغة العقد والفاظه التي يتحقق بها
الزواج عقد مدني لا شكليات فيه، والعقد: ربط أجزاء التصرف، أي الإيجاب والقبول شرعاً. والمراد بالعقد هنا هو المعنى المصدري وهو الارتباط، والشرع يحكم بأن الإيجاب والقبول موجودان حساً، يرتبطان ارتباطاً حكمياً.
وكل من الإيجاب والقبول قد يكون لفظاً، وقد يكون كتابة أو إشارة، وألفاظ الإيجاب والقبول، منها ما هو متفق على انعقاد الزواج به، ومنها ما هو متفق على عدم انعقاد الزواج به، ومنها ما هو مختلف فيه.
أما الألفاظ التي اتفق الفقهاء على انعقاد الزواج بها: فهي لفظ: أنكحت وزوجت، لورودهما في نص القرآن في قوله تعالى: {زوجناكها} [الأحزاب:37/33] وقوله: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم} [النساء:22/4].
وأما الألفاظ التي اتفق الفقهاء على عدم انعقاد الزواج بها: فهي التي لا تدل على تمليك العين في الحال ولا على بقاء الملك مدة الحياة، وهي: الإباحة والإعارة والإجارة والمتعة والوصية والرهن والوديعة ونحوها.
وأما الألفاظ التي اختلفوا في انعقاد الزواج بها: فهي لفظ البيع، ولفظ الهبة، ولفظ الصدقة، أو العطية ونحوها مما يدل على تمليك العين في الحال، وبقاء الملك مدة الحياة:
1 - قال الحنفية، والمالكية على الراجح: ينعقد الزواج بها بشرط نية أو قرينة تدل على الزواج، كبيان المهر وإحضار الناس، وفهم الشهود المقصود؛ لأن المطلوب التعرف على إرادة العاقدين، وليس للفظ اعتبار، وقد ورد في الشرع ما يدل على الزواج بلفظ الهبة والتمليك.
الأول ـ في قوله تعالى: {وامرأةً مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي، إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين} [الأحزاب:50/33] والخصوصية للنبي في صحة الزواج بدون مهر، لا باستعمال لفظ الهبة.
والثاني ـ قول الرسول صلّى الله عليه وسلم لرجل لم يملك مالاً يقدمه مهراً: «قد ملكتكها بما معك من القرآن» . وهذا هو الراجح لدي؛ لأن العبرة في العقود للمعاني لا للألفاظ والمباني.
2 - وقال الشافعية والحنابلة: لا ينعقد الزواج بها، ولا ينعقد إلا بلفظ النكاح أو التزويج، لورودهما في القرآن كما تقدم، فيلزم الاقتصار عليهما، ولا يصح أن ينعقد بغيرهما من الألفاظ؛ لأن الزواج عقد يعتبر فيه النية مع اللفظ الخاص به، وآية: {إن وهبت نفسها للنبي} [الأحزاب:50/33] من خصوصيات النبي صلّى الله عليه وسلم . وحديث «ملكتكها» إما وهم من الراوي، أو أن الراوي رواه بالمعنى، ظناً منه ترادف هذا اللفظ مع لفظ الزواج، وبتقدير صحة الرواية، فهي معارضة برواية الجمهور: «زوجتكها» .
وخلاصة المذاهب ما يأتي:
ينعقد الزواج عند الحنفية بكل لفظ يدل على تمليك الأعيان في الحال، كلفظ الهبة والتمليك والصدقة والعطية والقرض والسلَم والاستئجار والصلح والصرف، والجعل والبيع والشراء، بشرط نية أو قرينة، وفهم الشهود المقصود. ولا ينعقد بقوله: تزوجت نصفك على الأصح احتياطاً، بل لا بد أن يضيفه إلى كلها أو ما يعبر به عن الكل، ومنه الظهر والبطن على الأشبه.
وينعقد عند المالكية بلفظ التزويج والتمليك، وما يجري مجراهما كالبيع والهبة والصدقة والعطية، ولا يشترط ذكر المهر، لانعقاد العقد، وإن كان لا بد منه، فيكون شرطاً لصحة العقد كالشهود، إلا إذا كان بلفظ الهبة، والألفاظ أربعة: الأول ـ ما ينعقد به الزواج مطلقاً سواء سمى العاقد صداقاً أم لا وهو
أنكحت وزوجت، والثاني ـ ماينعقد به إن سمى صداقاً وإلا فلا، وهو وهبت فقط، والثالث ـ ما فيه التردد، وهو كل لفظ يقتضي البقاء مدة الحياة، مثل: بعت لك ابنتي بصداق قدره كذا، أو ملكتك إياها أو أحللت أو أعطيت أو منحتك إياها. قيل: ينعقد به إن سمى صداقاً، وقيل: لاينعقد به مطلقاً. والرابع ـ ما لا ينعقد به اتفاقاً: وهو كل لفظ لا يقتضي البقاء مدة الحياة كالحبس والوقف والإجارة والإعارة والعمرى أي أعمرتك، وهوالراجح.
وينعقد الزواج عند الشافعية والحنابلة بلفظ التزويج والنكاح فقط، دون ماعداهما كالهبة والتمليك والإجارة، اقتصاراً على المذكور في القرآن.
المعاطاة: اتفق الفقهاء على عدم انعقاد الزواج بالتعاطي، احتراماً لأمر الفروج، وخطورتها وشدة حرمتها ، فلا يصح العقد عليها إلا بلفظ صريح أو كناية عند الحنفية والمالكية، وبلفظ صريح عند الشافعية والحنابلة كما تقدم. ولا ينعقد الزواج على المختار عند الحنفية بالإقرار، أي أن الإقرار ليس من صيغ العقد، فلو قالت امرأة: أقر بأنك زوجي، ولم تكن قد حدثت زوجية بينها وبين الرجل، فإنه لا يصح،
1- نفس المصدر السابق
لأن الإقرار إظهار لما هو ثابت وليس بإنشاء.
الألفاظ المصحفة: لا ينعقد الزواج عند الحنفية بالألفاظ المصحفة، مثل (تجوزت) أو جوزت أوزوزت،بدل «تزوجت» لعدم القصد الصحيح، لكن لو اتفق قوم على النطق بهذه الغلطة، بحيث إنهم يطلبون بها الدلالة على حل الاستمتاع، وتصدر عن قصد واختيار منهم، فينعقد بها الزواج؛ لأنه والحالة هذه
يكون وضعاً جديداً منهم ، أي أن اللفظ أصبح دالاً على الزواج عرفاً، فينعقد به الزواج، فلا يفهم العاقدان والشهود من تلك الألفاظ إلا أنها عبارة عن التزويج، ولا يقصد منها إلا ذلك المعنى بحسب العرف.
وقال الشافعية: ينعقد الزواج بالألفاظ المحرفة مثل: جوزتك موكلتي.
الألفاظ غير العربية: اتفق أكثر الفقهاء على أن الأجنبي غير العربي العاجز عن النطق بالعربية يصح انعقاد زواجه بلغته التي يفهمها ويتكلم بها؛ لأن العبرة في العقود للمعاني، ولأنه عاجز عن العربية، فسقط عنه النطق بالعربية كالأخرس. وعليه أن يأتي بمعنى التزويج أو الإنكاح بلسانه، بحيث يشتمل على معنى اللفظ العربي.
أما إذا كان العاقد يحسن التكلم بالعربية: فيجوز عند الجمهور في الأصح عند الشافعية النطق بكل لغة يمكن التفاهم بها؛ لأن المقصود هو التعبير عن الإرادة، وذلك واقع في كل لغة، ولأنه أتى بلفظه الخاص، فانعقد به، كما ينعقد بلفظ العربية.
وقال الحنابلة: لا يجوز الزواج إلا بالعربية لمن قدر عليها، فمن قدر على لفظ الزواج بالعربية، لم يصح بغيرها؛ لأنه عدل عن لفظي ( الإنكاح والتزويج ) مع القدرة عليهما، فلم يصح، كما لم يصح بألفاظ الهبة والبيع والإحلال.
وقد أخذ القانون السوري (م 6) برأي الجمهور، فنص على أنه: يكون الإيجاب والقبول في الزواج بالألفاظ التي تفيد معناه لغة أو عرفاً.
ثانياً ـ صيغة الفعل :
قد تكون صيغة الإيجاب والقبول بلفظ الماضي أو بلفظ المضارع أو بلفظ الأمر، واتفق الفقهاء على انعقاد الزواج بصيغة الماضي، واختلفوا في المضارع والأمر.
أ ـ ينعقد الزواج بصيغة الفعل الماضي: كأن يقول ولي المرأة للرجل: زوجتك ابنتي فلانة على مهر كذا، فقال الزوج: قبلت أورضيت؛ لأن المقصود بهذه الصيغة إنشاء العقد في الحال، فينعقد بها العقد من غير توقف على نية أو قرينة.
ب ـ وأما العقد بصيغة المضارع: مثل أن يقول الرجل للمرأة في مجلس العقد: أتزوجك على مهر قدره كذا، فقالت: أقبل أو أرضى، صح العقد عند الحنفية والمالكية إذا كانت هناك قرينة تدل على إرادة إنشاء العقد في الحال، لا للوعد في المستقبل، كأن يكون المجلس مهيئاً لإجراء عقد الزواج، فوجود هذه الهيئة ينفي إرادة الوعد أو المساومة، ويدل على إرادة التنجيز؛ لأن الزواج بعكس البيع يكون مسبوقاً بالخطبة.
فإن لم يكن المجلس مهيئاً لإنجاز العقد، ولم توجد قرينة دالة على قصد إنشاء الزواج في الحال، فلا ينعقد العقد.
ولا ينعقد الزواج عند الشافعية والحنابلة بصيغة المضارع، وإنما لا بد عندهم من لفظ بصيغة الماضي مشتق من النكاح أوالزواج، بأن يقول الزوج: تزوجت أو نكحت أو قبلت نكاحها أو تزويجها، ولا يصح بكناية: كأحللتك ابنتي، إذ لا اطلاع للشهود على النية. ولو قال ولي المرأة: زوجتك، فقال الزوج: قبلت، لم ينعقد الزواج لدى الشافعية على المذهب، وينعقد عند الجمهور غير الشافعية.
جـ ـ ويصح العقد عند الحنفية والمالكية بصيغة الأمر: كأن يقول الرجل لامرأة: زوجيني نفسك، وقصد بذلك إنشاء الزواج، لا الخطوبة، فقالت المرأة: زوجتك نفسي، تم الزواج بينهما.
وتوجيه ذلك عند الحنفية : أن قول الرجل يتضمن توكيل المرأة في أن تزوجه بنفسها، فقولها: زوجتك نفسي، قام مقام الإيجاب والقبول. والتوجيه عند المالكية أن صيغة الأمر تعتبر إيجاباً للعقد عرفاً، ولا تعتبر توكيلاً ضمنياً. وهذا القول أوجه.وعبارة المالكية: ينعقد النكاح بالإيجاب والاستيجاب، أي طلب الإيجاب.
د ـ أما انعقاد الزواج بلفظ الاستفهام مثل قول رجل لآخر: زوجتني ابنتك؟ فقال الآخر: زوجت، أو قال: نعم، فلا يكون عند الحنفية زواجاً، ما لم يقل الموجب بعدئذ: قبلت؛ لأن قوله: زوجتني؟ استفهام أو استخبار، وليس بعقد، بخلاف صيغة الأمر: زوجني، فإنه توكيل ضمني، كما عرفنا.
والخلاصة: لا ينعقد الزواج عند الشافعية إلا بصيغة الماضي، ومن مادة الزواج والنكاح، وينعقد عند المالكية والحنفية بالماضي والمضارع والأمر، إذا دلت القرينة أو دلالة الحال على أنه للإيجاب، لا للوعد.
ولا يشترط عند الجمهور غيرالحنابلة تقديم الإيجاب على القبول، بل يندب، بأن يقول الولي: زوجتك إياها أو أنكحتك. وقال الحنابلة: إذا تقدم القبول على الإيجاب،
لم يصح، سواء أكان بلفظ الماضي: تزوجت، أم بلفظ الطلب: زوجني.
وتوجيه ذلك عند الحنفية : أن قول الرجل يتضمن توكيل المرأة في أن تزوجه بنفسها، فقولها: زوجتك نفسي، قام مقام الإيجاب والقبول. والتوجيه عند المالكية أن صيغة الأمر تعتبر إيجاباً للعقد عرفاً، ولا تعتبر توكيلاً ضمنياً. وهذا القول أوجه.وعبارة المالكية: ينعقد النكاح بالإيجاب والاستيجاب، أي طلب الإيجاب.
د ـ أما انعقاد الزواج بلفظ الاستفهام مثل قول رجل لآخر: زوجتني ابنتك؟ فقال الآخر: زوجت، أو قال: نعم، فلا يكون عند الحنفية زواجاً، ما لم يقل الموجب بعدئذ: قبلت؛ لأن قوله: زوجتني؟ استفهام أو استخبار، وليس بعقد، بخلاف صيغة الأمر: زوجني، فإنه توكيل ضمني، كما عرفنا.
والخلاصة: لا ينعقد الزواج عند الشافعية إلا بصيغة الماضي، ومن مادة الزواج والنكاح، وينعقد عند المالكية والحنفية بالماضي والمضارع والأمر، إذا دلت القرينة أو دلالة الحال على أنه للإيجاب، لا للوعد.
ولا يشترط عند الجمهور غيرالحنابلة تقديم الإيجاب على القبول، بل يندب، بأن يقول الولي: زوجتك إياها أو أنكحتك. وقال الحنابلة: إذا تقدم القبول على الإيجاب، لم يصح، سواء أكان بلفظ الماضي: تزوجت، أم بلفظ الطلب: زوجني.
رابعاً ـ انعقاد الزواج بالكتابة والإشارة :
ينعقد الزواج أحياناً بالكتابة أو الإشارة على التفصيل الآتي :
1 َ - الناطق في حال الحضور: إن كان العاقدان حاضرين معاً في مجلس العقد وكانا قادرين على النطق: فلا يصح بالاتفاق الزواج بينهما بالكتابةأو الإشارة، ولو كانت الكتابة بينة واضحة، والإشارة مفهمة في الدلالة على إنشاء الزواج، للاستغناء عنها بالنطق، ولأن اللفظ هو الأصل في التعبير عن الإرادة، ولا يلجأ إليه إلا عند الضرورة، ولا ضرورة هنا، ولأنه لا يتيسر للشهود سماع كلام العاقدين في حال الكتابة.
2 ً - الناطق في حال الغيبة: إذا كان أحد العاقدين غائباً عن مجلس العقد: ينعقد الزواج عند الحنفية بالكتابة أو إرسال رسول، إذا حضر شاهدان عند وصول الكتاب أو الرسول؛ لأن الكتاب من الغائب خطابه، قال الحنفية : «الكتابة من الغائب بمنزلة الخطاب من الحاضر»
مثال الكتاب: أن يكتب رجل لخطيبته: تزوجتك أو زوجيني نفسك، فقالت المرأة في مجلس وصول الكتاب: قبلت الزواج، بحضور شاهدين، صح الزواج؛ لأن سماع الشاهدين شطري العقد (الإيجاب والقبول) شرط لصحة الزواج.
ومثال إرسال الرسول: أن يرسل الخاطب إلى خطيبته الغائبة عن المجلس شخصاً يبلغها الإيجاب مشافهة، فإذا قبلت في مجلس بلوغ الرسالة بحضور شاهدين، تم الزواج.
وقال المالكية والشافعية والحنابلة: لا ينعقد الزواج بكتابة في غيبة أو حضور؛ لأن الكتابة كناية، فلو قال الولي لغائب: زوجتك ابنتي، أو قال: زوجتها من فلان، ثم كتب، فبلغه الكتاب، أي الخبر، فقال: قبلت، لم يصح العقد.
3 ً - الأخرس: إذا كان أحد العاقدين أخرس أو معتقل اللسان:
أ ـ فإن كان قادراً على الكتابة، انعقد الزواج بها كما ينعقد بالإشارة، بالاتفاق حتى عند الشافعية؛ لأنها ضرورة، لكن في الرواية الظاهرة عند الحنفية: لا ينعقد بالإشارة، وإنما ينعقد بالكتابة في حال القدرة عليها؛ لأن الكتابة أقوى في الدلالة على المراد، وأبعد عن الاحتمال من الإشارة. وعلى كل حال: الكتابة بالاتفاق أولى من الإشارة؛ لأنها بمنزلة الصريح في الطلاق والإقرار.
ب ـ وإن كان الأخرس أو نحوه عاجزاً عن الكتابة: انعقد الزواج بالإشارة المفهمة المعلومة بالاتفاق؛ لأنها حينئذ الوسيلة المتعينة للتعبير عن الإرادة.
والخلاصة: ينعقد نكاح الأخرس بكتابته أو إشارته عند الفقهاء وتتعين الكتابة عند الحنفية إذا قدر عليها.
المبحث الثاني
شروط انعقاد عقد الزواج
المطلب الأول: شروط العاقدين
1- ان يكون كل من العاقدين اهلا لمباشرة العقد
أن يكون العاقد لنفسه أو لغيره أهلاً لمباشرة العقد، وذلك بالتمييز فقط، فإذا كان غير مميز كصبي لم يبلغ السابعة ومجنون، لم ينعقد الزواج؛ ويكون باطلاً؛ لعدم توافر الإرادة والقصد الصحيح المعتبر شرعاً.
ولا يشترط البلوغ لانعقاد الزواج وصحته، وإنما هو شرط لنفاذ العقد عند الحنفية.
وأجاز الشافعية للولي من أب أو جد تزويج صغير مميز ولو أكثر من واحدة إن رآه الولي مصلحة؛ لأن تزويجه بالمصلحة؛ وقد تقتضي ذلك . وأجاز الحنابلة أيضاً للأب خاصة تزويج ابنه الصغير أو المجنون ولو كان كبيراً، روى الأثرم: «أن ابن عمر زوج ابنه وهوصغير، فاختصموا إلى زيد فأجازاه جميعاً» وللأب أن يزوج الصغير بأكثر من واحدة إن رأى فيه مصلحة. وأجاز المالكية للأب والوصي والحاكم تزويج المجنون والصغير لمصلحة كالخوف من الزنا أو الضرر، أو ممن تحفظ له ماله، والصداق على الأب.
2- ان يعلم كل من العاقدين ما صدر من الاخر
أن يسمع كل من العاقدين لفظ الآخر، ولو حكماً كالكتاب إلى امرأة غائبة، ويفهم أن المقصود منه إنشاء الزواج، ليتحقق رضاهما به. والأدق أن يعتبر هذا شرطاً في صيغة العقد.ولا يشترط عند الحنفية توافر حقيقة الرضا، فيصح الزواج مع الإكراه والهزل. 2
المطلب الثاني
شروط الصيغة (الايجاب والقبول)
1- اتحاد مجلس الايجاب والقبول
اتحاد المجلس إذا كان العاقدان حاضرين: وهو أن يكون الإيجاب والقبول في مجلس واحد، بأن يتحد مجلس الإيجاب والقبول، لا مجلس المتعاقدين؛ لأن شرط الارتباط اتحاد الزمان، فجعل المجلس جامعاً لأطرافه تيسيراً على العاقدين. فإن اختلف المجلس، فلا ينعقد العقد، فإذا قالت المرأة: زوجتك نفسي، أو قال الولي: زوجتك ابنتي، فقام الآخر عن المجلس قبل القبول، أو اشتغل بعمل يفيد انصرافه عن 1المجلس، ثم قال: قبلت بعدئذ، فإنه لا ينعقد العقد عند الحنفية. وهذا يدل على أن مجرد الوقوف بعد القعود يغير المجلس. وكذلك إذا انصرف العاقد الأول عن المجلس بعد الإيجاب، فقبل الآخر وهو في المجلس في غيبة الأول أوبعد عودته، لم ينعقد العقد. ويتغير المجلس عند الحنفية بالسير حال المشي أو الركوب على دابة بأكثر من خطوتين، كما يعد نوم العاقدين مضطجعين، لا جالسين، دليل الإعراض عن القبول. لكن لا يشترط الفور في القبول؛ فينعقد العقد وإن طال المجلس. وينعقد إن كان العاقدان على سفينة سائرة؛ لأن السفينة في حكم مكان واحد.
والمعول عليه في الحقيقة في الحد الفاصل بين اتحاد المجلس واختلافه هوالعرف، فما يعتبر في العرف إعراضاً عن العقد أو فاصلاً بين الإيجاب والقبول يكون مغيراً لمجلس العقد، وما لا يعتبر فيه إعراضاً عن العقد أو فاصلاً بين الإيجاب والقبول لا يكون مغيراً للمجلس.
وعند الجمهور: يشترط الفور بألا يفصل بين الإيجاب والقبول فاصل كثير ، وعبارة الشافعية: يشترط ألا يطول الفصل في لفظي العاقدين بين الإيجاب والقبول، فإن طال ضر؛ لأن طول الفصل يخرج القبول عن أن يكون جواباً عن الإيجاب. والفصل الطويل: هو ما أشعر بإعراضه عن القبول. ولا يضر الفصل اليسير لعدم إشعاره بالإعراض عن القبول. ويضر تخلل كلام أجنبي
عن العقد، ولو يسيراً بين الإيجاب والقبول، وإن لم يتفرقا عن المجلس؛ لأن فيه إعراضاً عن القبول.
وأما في حال غيبة أحد العاقدين عن الآخر، والتعاقد بطريق الكتابة أو الرسالة، فقال الحنفية: مجلس عقد الزواج: وهو مجلس قراءة الكتاب أمام الشهود، أو سماع رسالة الرسول بحضرة الشهود، فعندئذ يتحد المجلس؛ لأن الكتاب بمنزلة الخطاب من الكاتب، ولأن كلام الرسول كلام المرسل؛ لأنه ينقل عبارة المرسل، فكان قراءة الكتاب، وسماع قول الرسول، وكلام الكاتب معنى، وسماع قول المرسل معنى. فإن لم يقرأ الكتاب أو لم يسمع كلام الرسول لا ينعقد العقد عند أبي حنيفة ومحمد، لاشتراط الشهادة على شطري العقد.
وإن قرأت المرأة الكتاب أو سمعت الرسالة أمام الشهود، ثم قامت من المجلس لقضاء مصلحة أخرى، أو اشتغلت بالحديث في شيء آخر أجنبي عن العقد، ثم قالت: زوجت نفسي من فلان، فلا ينعقد الزواج، لاختلاف المجلس.
لكن لو أعادت المرأة قراءة الكتاب في مجلس آخر، فقبلت أمام الشهود، صح العقد، لبقاء الكتابة، أما لو أعاد الرسول الإيجاب في مجلس آخر، فقبلت، لم يصح؛ لأن رسالته انتهت أولاً بخلاف الكتابة لبقائها.
2- ان يوافق القبول الايجاب
توافق القبول مع الإيجاب ومطابقته له: يتحقق التوافق باتحاد القبول والإيجاب في محل العقد وفي مقدار المهر،فإذا تخالفا فإن كانت المخالفة في محل العقد، مثل قول أبي الفتاة: زوجتك خديجة، فيقول الرجل: قبلت زواج فاطمة، فلا ينعقد الزواج؛ لأن القبول انصرف إلى غير من وجد الإيجاب فيه، فلم يصح، كما لو ساومه بثوب، وأوجب العقد في غيره بغير علم المشتري. وإن كانت 1
المخالفة في مقدار المهر، مثل: زوجتك ابنتي على ألف درهم، فقال الزوج: قبلت الزواج بثمانمائة، لا ينعقد العقد، إلا إذا كانت المخالفة لخير، بأن قال الزوج: قبلت بألف ومائة، فيصح العقد عند الحنفية.
وسبب عدم انعقاد العقد في المخالفة بمقدار المهر، وإن لم يكن المهر ركناً من أركان العقد: هو أن المهر إذا ذكر في العقد، التحق بالإيجاب وصار جزءاً منه، فيلزم أن يأتي القبول على وفق الإيجاب، حتى ينعقد العقد.
فإن لم يذكر المهر في العقد، أو صرح بأن لا مهر للمرأة، فلا يكون جزءاً من الإيجاب، ولكن يجب في هذه الحالة مهر المثل؛ لأن المهر في الزواج واجب بإيجاب الشرع، فلا يصح إخلاء الزواج منه.
3-ان تكون الصيغة منجزة
التنجيز في الحال: الزواج كالبيع يشترط فيه كونه في الحال، فلا يجوز في المذاهب الأربعة كونه مضافاً إلى المستقبل، كتزوجتك غداً، أو بعد غد، ولا معلقاً على شرط غير كائن، كتزوجتك إن قدم زيد، أو إن رضي أبي، أو إذا طلعت الشمس فقد زوجتك بنتي؛ لأن عقد الزواج من عقود التمليكات أو المعاوضات، وهي لا تقبل التعليق ولا الإضافة، ولأن الشارع وضع عقد الزواج ليفيد حكمه في الحال، والتعليق والإضافة يناقضان الحقيقة الشرعية. لكن يصح التعليق بشرط ماض كائن لا محالة، فينعقد العقد في الحال، كأن خطب شخص بنتاً لابنه، فقال أبوها: زوجتها قبلك من فلان، فكذبه، فقال: إن لم أكن زوجتها لفلان، فقد زوجتها لابنك، فقبل، ثم علم كذبه، انعقد العقد، لتعليقه بموجود، وكذا إذا وجد المعلق عليه في المجلس. ومثل: تزوجتك إن كان عمرك عشرين، وكانت في الواقع كذلك. ومثل: تزوجتك إن رضي أبي، وكان أبوها في المجلس فرضي، صح العقد.
وذكر الشافعية: أنه لو قال الولي: زوجتك إن شاء الله ، وقصد التعليق أو أطلق، لم يصح العقد، وإن قصد التبرك، أو أن كل شيء بمشيئة الله تعالى، صح. ولو قال: إن كان ما ولد لي من ولد أنثى فقد زوجتها، أو قال: إن كانت بنتي طلقت واعتدت، فقد زوجتها، فالمذهب بطلان الزواج في هذه الصور لوجود صورة التعليق.
المطلب الثالث
شروط المحل وهي المرأة المعقود عليها
1- ان تكون انثى محققة الانوثة
يتحقق التوافق باتحاد القبول والإيجاب في محل العقد وفي مقدار المهر،فإذا تخالفا فإن كانت المخالفة في محل العقد، مثل قول أبي الفتاة: زوجتك خديجة، فيقول الرجل: قبلت زواج فاطمة، فلا ينعقد الزواج؛ لأن القبول انصرف إلى غير من وجد الإيجاب فيه، فلم يصح، كما لو ساومه بثوب، وأوجب العقد في غيره بغير علم المشتري. وإن كانت 1
المخالفة في مقدار المهر، مثل: زوجتك ابنتي على ألف درهم، فقال الزوج: قبلت الزواج بثمانمائة، لا ينعقد العقد، إلا إذا كانت المخالفة لخير، بأن قال الزوج: قبلت بألف ومائة، فيصح العقد عند الحنفية.
وسبب عدم انعقاد العقد في المخالفة بمقدار المهر، وإن لم يكن المهر ركناً من أركان العقد: هو أن المهر إذا ذكر في العقد، التحق بالإيجاب وصار جزءاً منه، فيلزم أن يأتي القبول على وفق الإيجاب، حتى ينعقد العقد.
فإن لم يذكر المهر في العقد، أو صرح بأن لا مهر للمرأة، فلا يكون جزءاً من الإيجاب، ولكن يجب في هذه الحالة مهر المثل؛ لأن المهر في الزواج واجب بإيجاب الشرع، فلا يصح إخلاء الزواج منه.
2- ان لا تكون محرمة عليه تحريما قطعياً
ألا تكون محرَّمة على الرجل تحريماً قاطعاً لا شبهة فيه: فلا ينعقد الزواج بالمحارم كالبنت والأخت والعمة والخالة، والمتزوجة بزوج آخر، والمعتدة، والمرأة المسلمة بغير المسلم، والزواج في كل هذه الحالات باطل.2
الخلاصة
أن الفقهاء اتفقوا على صحة الشروط التي تلائم مقتضى العقد، وعلى بطلان الشروط التي تنافي المقصود من الزواج أو تخالف أحكام الشريعة. واتفق الحنفية والمالكية والحنابلة على صحة الشروط التي يكون فيهاتحقيق وصف مرغوب فيه، أو خلو المرأة من عيب لا يثبت الخيار في فسخ الزواج. واختلفوا في الشروط التي لا تكون من مقتضى العقد، ولكنها لا تنافي حكماً من أحكام الزواج، وفيها منفعة لأحد العاقدين، كاشتراط ألا يتزوج عليها أو ألا يسافر بها، أو ألا يخرجها من دارها أو بلدها ونحوها:
فالحنابلة يقولون: إنها شروط صحيحة يلزم الوفاء بها.
والحنفية يقولون: إنها شروط ملغاة، والعقد صحيح.
والمالكية يقولون: إنها شروط مكروهة لا يلزم الوفاء بها، بل يستحب فقط.
والشافعية يقولون: إنها شروط باطلة، ويصح الزواج بدونها.
ورأي الحنابلة هو الراجح لدي، للأدلة السابقة التي ذكروها، لذا أخذ به القانون السوري.
وأما تأثير الشرط الفاسد على العقد: فعند الحنفية: الشرط الفاسد لا يفسد العقد، وإنما يلغى الشرط وحده، ويصح العقد. والحنابلة يوافقون الحنفية فيما ذكر إلا في بعض الشروط فإنها تبطل العقد، منها توقيت العقد، واشتراط طلاق المرأة في وقت معين، واشتراط الخيار في فسخ الزواج في مدة معينة. وهذا هو النوع الثالث عندهم. وأما عند الشافعية: فإن الشرط الفاسد يفسد العقد إذا أخل بمقصود الزواج الأصلي، وإلا فسد الشرط وحده. لكن قال المالكية: يجب فسخ العقد ما دام الرجل لم يدخل بالمرأة، فإن دخل بها مضى العقد وألغي الشرط، وبطل المسمى، ووجب للمرأة مهر المثل.
شروط النفاذ :
اشترط الحنفية لنفاذ عقد الزواج وترتب آثاره عليه بالفعل بعد انعقاده صحيحاً الشروط الخمسة التالية :
1 - أن يكون كل من الزوجين كامل الأهلية إذا تولى عقد الزواج بنفسه، أو بوكيل عنه، وكمال الأهلية بالعقل والبلوغ والحرية، فمتى كان كل من الزوجين عاقلاً بالغاً حراً، نفذ العقد وترتبت آثاره عليه، من حل الدخول ووجوب المهر وغيرهما، وقال محمد كما تقدم: إذا زوجت المرأة البالغة العاقلة نفسها بدون ولي، كان زواجها موقوفاً على إجازة الولي.
أما إن باشر عقد الزواج صبي مميز أو عبد، فيتوقف العقد عند الحنفية والمالكية على إجازة الولي من أب ونحوه، أو سيد. وإن باشره مجنون أوغير مميز فلا ينعقد أصلاً.
وعند الشافعية والحنابلة:لا تنعقد تصرفات العبد والصبي المميز وغير المميز أصلاً، بل هي باطلة.
2 - أن يكون الزوج رشيداً، إذا تولى الزواج بنفسه: هذا شرط عند المالكية، فإن كان سفيهاً غير رشيد: وهو الذي لا يحسن التصرف في ماله، وتزوج بدون إذن الولي، توقف عقد زواجه عند المالكية على إجازة وليه.
وقال الشافعية والحنابلة: الرشد شرط لصحة الزواج، فلو تزوج السفيه بغير إذن وليه، كان الزواج باطلاً؛ لأنه تصرف يجب به مال، وفي الزواج ودفع المهر والنفقة إتلاف للمال أو مظنة إتلافه.
وقال الحنفية: ليس الرشد شرطاً لصحة الزواج ولا لنفاذه، فإن تزوج السفيه امرأة جاز زواجه؛ لأنه من حوائجه الأصلية وتصرفاته الشخصية، والحجر
إنما هو على التصرفات المالية المحضة. والقاعدة عندهم : أن كل ما لا يؤثر فيه الهزل كالعتق والنكاح، لا يؤثر فيه الحجر، لكن لا يثبت للمرأة أكثر من مهر المثل إذا كان السفيه هو الزوج، ويثبت فيه مهر المثل على الأقل إذا كانت الزوجة هي السفيهة.
3 - ألا يكون العاقد ولياً أبعد مع وجود الولي الأقرب المقدم عليه: شرط نفاذ عند الحنفية، فإن زوج الولي الأبعد مع وجود الأقرب منه، كان العقد موقوفاً على إجازة الولي الأقرب.
وهو شرط صحة عند الشافعية والحنابلة ، فلا يصح زواج الولي الأبعد مع وجود الأقرب إلا إذا كان هناك مانع كالجنون واختلال النظر بهرم أو خَبَل (فساد في العقل)، والصغر، والحجر بسفه، والعضل (أي المنع من الزواج بغير حق).
وقال المالكية : إن كان الولي الأقرب غير مجبر كالابن والأخ والجد والعم، كان العقد صحيحاً مكروهاً. وإن كان الأقرب ولياً مجبراً (وهو الأب) فسخ العقد أبداً، إلا إذا أجازه الولي الأقرب، وكان الذي تولاه مفوضاً إلىه الأمر بالبينة.
4 - ألا يخالف الوكيل موكله فيما وكله به: فإذا وكل شخص غيره ليزوجه فتاة معينة أو بمهر معين، فزوجه فتاة غيرها، أوزوجه بمهر أكثر، لم ينفذ العقد، وكان موقوفاً على إجازة الموكل. فلو لم يعلم حتى دخل بقي الخيار له بين إجازته وفسخه، ويكون للمرأة عند الحنفية الأقل من المسمى ومهر المثل؛ لأن الموقوف كالفاسد.
5 - ألا يكون العاقد فضولياً: والفضولي: هو من لا يكون له ولاية التزويج وقت العقد. وهو شرط نفاذ عند الحنفية والمالكية. فإذا زوج شخص امرأة لرجل وقبل عنه، دون ولاية ولا وكالة عنه وقت العقد، كان الزواج موقوفاً على إجازة الزوج عندهم.
وأما عند الشافعية والحنابلة فتصرف الفضولي من بيع وزواج باطل.
شروط اللزوم :
معنى لزوم العقد: ألا يكون لأحد العاقدين أو لغيرهما حق فسخه بعد انعقاده، بأن يخلو العقد من الخيار. ويشترط للزوم الزواج أربعة شروط هي:
1 - أن يكون الولي المزوج لفاقد الأهلية كالمجنون والمعتوه، أو ناقصها وهو الصغير والصغيرة: هو الأب أو الجد، وهو شرط عند أبي حنيفة ومحمد. فلو كان المزوج لهما غيرهما كالأخ والعم، كان لكل منهما حق فسخ العقد عند زوال المانع أي الإفاقة من الجنون أو العته، والبلوغ بعد الصغر، حتى ولو كان الزواج بالكفء وبمهر المثل ؛ لأن قرابة غير الأصل والفرع قرابة حواشي، فلا يساوون الأصل والفرع بالشفقة، فيقدر زواجهم بالمصلحة الظاهرة، ويعطى المتزوج خيار الفسخ.
ودليل أبي حنيفة ومحمد: ما روي أن قدامة بن مظعون زوَّج بنت أخيه: عثمان بن مظعون، من عبد الله بن عمر رضي الله عنه، فخيرها رسول الله صلّى الله عليه وسلم بعد البلوغ، فاختارت نفسها، حتى روي أن ابن عمر قال: إنها انتزعت مني بعد ما ملكتها.
وقال أبو يوسف: ليس هذا بشرط، ويلزم نكاح غير الأب والجد من الأولياء، فلا يثبت الخيار للمولى عليه؛ لأن هذا النكاح صدر من ولي، فيلزم، كما إذا صدر عن الأب والجد، لأن ولاية التزويج ولاية نظر في حق المولى عليه، وقد اجتهد الولي في تحقيق المصلحة، ونظر فيما هو الأولى والأصلح.
فإذا زوج الحاكم فاقد الأهلية أو ناقصها، فلا خيار للمولى عليه في رأي أبي حنيفة خلافاً لمحمد؛ لأن ولاية الحاكم أعم من ولاية الأخ والعم؛ لأنه يملك التصرف في النفس والمال، فكانت ولايته شبيهة بولاية الأب والجد، وولايتهما ملزمة، فتلزم ولاية الحاكم.
2 - أن يكون الزوج كفئاً للزوجة إذا زوجت المرأة الحرة البالغة العاقلة نفسها من غير رضا الأولياء بمهر مثلها، وكان لها ولي عاصب لم يرض بهذا الزواج، فلهذا الولي طلب فسخ الزواج من القاضي. وهذا شرط عند الحنفية في ظاهر الرواية.
وكذلك قال أئمة بقية المذاهب: الكفاءة في الزوج شرط للزوم الزواج، لا لصحته، فيصح النكاح مع فقدها، وهي حق للمرأة والأولياء كلهم القريب والبعيد، لتساويهم في لحوق العار بفقد الكفاءة، فلو زوجت المرأة بغير كفء، فلمن لم يرض بالنكاح الفسخ، فوراً أو تراخياً، سواء من المرأة أو الأولياء
فإذا زوج الحاكم فاقد الأهلية أو ناقصها، فلا خيار للمولى عليه في رأي أبي حنيفة خلافاً لمحمد؛ لأن ولاية الحاكم أعم من ولاية الأخ والعم؛ لأنه يملك التصرف في النفس والمال، فكانت ولايته شبيهة بولاية الأب والجد، وولايتهما ملزمة، فتلزم ولاية الحاكم.
2 - أن يكون الزوج كفئاً للزوجة إذا زوجت المرأة الحرة البالغة العاقلة نفسها من غير رضا الأولياء بمهر مثلها، وكان لها ولي عاصب لم يرض بهذا الزواج، فلهذا الولي طلب فسخ الزواج من القاضي. وهذا شرط عند الحنفية في ظاهر الرواية.
وكذلك قال أئمة بقية المذاهب: الكفاءة في الزوج شرط للزوم الزواج، لا لصحته، فيصح النكاح مع فقدها، وهي حق للمرأة والأولياء كلهم القريب والبعيد، لتساويهم في لحوق العار بفقد الكفاءة، فلو زوجت المرأة بغير كفء، فلمن لم يرض بالنكاح الفسخ، فوراً أو تراخياً، سواء من المرأة أو الأولياء
جميعهم؛ لأنه خيار لنقص في المعقود عليه كخيار البيع، ويملكه الأبعد من الأولياء مع رضا الأقرب منهم به، ومع رضا الزوجة، دفعاً لما يلحقه من لحوق العار.
والدليل على أن الكفاءة شرط لزوم لا شرط صحة أنه صلّى الله عليه وسلم : «أمر فاطمة بنت قيس أن تنكح أسامة بن زيد مولاه، فنكحها بأمره» وروت عائشة «أن أبا حذيفة ابن عقبة بن ربيعة تبنى سالماً، وأنكحه ابنة أخيه: الوليد بن عقبة، وهو مولى لامرأة من الأنصار» وعن أبي حنظلة بن أبي سفيان الجمحي عن أمه قالت: «رأيت أخت عبد الرحمن بن عوف تحت بلال».
3 - أن يكون المهر بالغاً مهر المثل إذا زوجت الحرة العاقلة البالغة نفسها من غير كفء، بغير رضا الأولياء، وألا يقل عن مهر المثل إذا زوجت المرأة نفسها من كفء. وهذا عند أبي حنيفة، فللأولياء حق الاعتراض وطلب فسخ الزواج، إلا إذا قبل الزوج زيادة المهر إلى مهر المثل، فلا يكون للولي حينئذ حق الفسخ، وبناء عليه إما أن يزيد الزوج إلى مهر المثل أو يفرق بينهما.
وعند أبي يوسف ومحمد: ليس هذا بشرط، ويلزم النكاح بدونه.
4 - خلو الزوج عن عيب الجب والعنة عند عدم الرضا من الزوجة بهما.
هذه هي شروط الزواج الشرعية، أما الشروط القانونية الموضوعة لإجراء عقد الزواج رسمياً ولسماع دعوى الزوجية، لمنع الناس من تزويج الصغار، ومحاولة ادعاء الزوجية زوراً، فهي مجرد قيود قانونية.
الخاتمة
الحمد لله تعالى الذي وفقنا في تقديم هذا البحث، وها هي القطرات الأخيرة في مشوار هذا البحث، وقد كان البحث يتكلم عن (شروط انعقاد عقد الزواج في الفقه الاسلامي)، وقد بذلنا كل الجهد والبذل لكي يخرج هذا البحث في هذا الشكل.
ونرجو من الله أن تكون رحلة ممتعة وشيقة، وكذلك نرجو أن تكون قد أرتقت بدرجات العقل الفكر، حيث لم يكن هذا الجهد بالجهد اليسير، ونحن لا ندعى الكمال فإن الكمال لله عز وجل فقط، ونحن ق قدمنا كل الجهد لهذا البحث، فإن وفقنا فمن الله عز وجل وإن أخفقنا فمن أنفسنا، وكفانا نحن شرف المحاولة، واخيراً نرجو أن يكون هذا البحث قد نال إعجابكم.
وصل اللهم وسلم وبارك تسليما كثيراً على معلمنا الأول وحبيبنا سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام.
وكذا ستر العورة، فإنه شرط لصحة الصلاة، فإذا انكشفت العورة، ولم يفحش المكشوف ولو طال الزمن لم يعد الصلاة إن لم يتعمده. 2
أما الفرق:
فإن الركن جزء من ماهية الشيء بخلاف الشرط فإنه خارج عنها؛ فالإيجاب والقبول رکن عقد النكاح، وهو جزء منه، وحضور الشهود شرط فيه، وهو خارج عنه، وكذا الركوع أو السجود فإنه ركن الصلاة وهو جزء منها، والطهارة شرط في صحة الصلاة، وهي خارجة عنها.
على أن العبادات إذا فقدت ركنا أو شرط، فحكمها واحد وهو البطلان عند المذاهب جميعها؛ أما المعاملات فإذا فقدت رکنا أو شرطا فحكمها البطلان عند الجمهور، إذ الفعل عندهم لا يتجاوز أحد أمرين (الصحة أو البطلان)، بخلاف الحنفية فهم يفرقون بين العبادة ، والمعاملة،
ففي الأولى يوافقون الجمهور، أما الثانية ففعلها يتردد بين أحكام ثلاث (الصحة أو البطلان أو الفساد)، فإذا فقد ركنا فالبطلان، وإذا فقد شرط فالفساد.
3- تعريف شروط الانعقاد
اختلف الفقهاء في تصنيف أركان العقد وشروطه، وهو في مجمله خلاف اصطلاحي لا علاقة له بالأحكام، ومع ذلك فإنه من المهم الاطلاع على هذه التصنيفات، ليسهل التعرف من خلالها علـى وجوه الاختلاف العامة، وعلى مدى الأهمية التي تكتسيها بعض نواحي عقد الزواج على البعض الآخر بحسب رؤية الفقهاء لفلسفة الزواج ومقاصده في الشريعة الإسلامية.
تصنيف المالكية:
اختلف فقهاء المالكية في تصنيف أركان الزواج، ومن أشهر تلك التصنيفات:
تصنيف جمهور المالكية:
صنف جمهور المالكية" أركان النكاح إلى أربعة إجمالا وخمسة تفصيلا، وهي:
الولي: ولا يصح الزواج بدونه، وشروطه هي: وهي الإسلام والبلوغ والعقل والذكورية، واختلف في اشتراط العدالة والرشد فقيل يعقد السفيه على وليته ،وقيل يعقد وليه.
الصداق: فلا يصح نكاح بغير صداق، لكن لا يشترط ذكره عند عقد النكاح لجـواز نـكـاح التفويض فإنه عقد بلا ذكر مهر ، فإن تراضيا على إسقاطه أو اشترطا إسقاطه أصلا، فإن النكاح لا يصح
المحل: أي ما تقوم به الحقيقة، وهي لا تقوم إلا من الزوج والزوجة الخاليين من الموانع الشـرعية كالإحرام والمرض وغير ذلك، لأن المحل من الأمور النسبية التي لا تقوم إلا بمتعدد، وللمحل نوعان من الشروط عند المالكية هي شروط صحة النكاح:وهي الإسلام في نكاح مسـلمة، والعقـل والتمييز وتحقيق الذكورية ،وشروط انعقاد النكاح: وهي الحرية والبلوغ والرشـد والصـحة والكفاءة
الصيغة: وهي ما صدر من الولي ومن الزوج أو من وكيلهما الدالة على انعقاد، وشروط الصيغة هي: أن تكون بما يقتضي الإيجاب والقبول، كلفظ التزويج والتمليك ويجري مجراهما، وألا تكون معلقة على شرط غير محقق، وأن تكون فورا من الطرفين، فإن تراخي فيه القبول عن الإيجاب يسيرا جاز، وأن يكون اللفظ على التأبيد
* واعتبار هذه الخمسة أركانا ـ بمعنى أن يكون كل واحد منها جزءا من ماهية العقد ـ من باب التجوز، وباعتبار انعدام الماهية بانعدامها، غير أن هذا رد بعدم اعتبار الشهود ركنا في العقد.
*تصنيف الحطاب المالكية: وهو اعتباره الزوج والزوجة ركنين لا ركنا واحدا، لأن حقيقة النكاح لا توجد إلا بهما، أما الولي والصيغة فشرطان لخروجهما عن ذات النكاح، أما الصداق والشهود فلم يعدهما من الأركان ولا من الشروط لوجود النكاح بدونهما، لأن المضر إسقاط الصداق والدخول بلا شهود. وقد رد عليه بأن حقيقة النكاح، وهي العقد المخصوص لا تتحصل إلا بالصيغة كمـا أنـه لا يتحصل إلا بالزوج والزوجة من حيث إنهما محلان لا من حيث إنهما مقومان لحقيقته"
تصنيف الشافعية:
صنف الشافعية" أركان الزواج إلى أربعة أركان، وهي: الصيغة والزوجة والشهادة والعاقدان، وقد يعبر عن العاقدين بالولي. وقد اختلف في عد الزوجين ركنا واحدا أوركنين منفصلين، لأنه يعتبر في كل منهما ما لا يعتبر في الآخر أو لتعلق العقد بهما. وقد علل بعضهم عدم ذكر االصداق في أركان النكاح بخلاف الثمن في البيع، لأن الغرض مـن النكاح الاستمتاع وتوابعه وذلك قائم بالزوجين فهما الركنان . وقد ذكر بعضهم أن أركان النكاح تشمل الإيجاب والقبول فقط، لأن النكاح العقد المركب من الإيجاب والقبول ، وهذه الأمور التي ذكروها لم تتركب منها ماهيته كما هو مقتضـ بالأركان، لأن الركن ما تتركب منه الماهية كأركان الصلاة. وأجابوا عن ذلك بأن المراد بالأركان ما لا بد منها فيشمل الأمور الخارجة كالشاهدين، فإنهما خارجان عن ماهية النكاح ولهذا اعتبرهما الغزالي شرطين
تصنيف الحنابلة: صنف الحنابلة أركان الزواج إلى ثلاثة هي: الزوجان الخاليان من الموانع، والإيجاب، والقبول، وقد أسقط بعضهم الزوجين كما في المقنع والمنتهى وغيره لوضوحه، ولأن ماهية النكاح مركبة مـن الإيجاب والقبول ومتوقفة عليهما ولا ينعقد النكاح إلا بهما.
تصنيف الحنفية: اعتبر الحنفية" ركنا واحدا للزواج هو الإيجاب والقبول، لأن الانعقاد هو ارتباط أحد الكلامـــــين بالآخر على وجه يسمى باعتباره عقدا شرعيا، ويستعقب الأحكام، وذلك بوقوع الثاني جوابا معتبرا محققا لغرض الكلام السابق ، ويسمع كل من العاقدين كلام صاحبه ، والكلامان هما الإيجاب والقبول.
طريقة الحنفية في تقسيم الشروط:
صنف الحنفية الشروط من حيث أثر وجودها أو فقدانها إلى الأصناف التالية":
۱ ـ شروط الانعقاد: وهي التي يلزم توافرها في أركان العقد، أو في أسسه وإذا تخلف شرط منها كان العقد باطلا باتفاق، وخلاصة شروط الانعقاد عندهم هي:
ما يرجع إلى محل العقد:
ويشترط لمحل العقد شرطان هما:
* أن يكون كل من العاقدين لمباشرة العقد بأن يكون مميزاً، سواء كان كامل الأهلية كالبالغ الرشيد أو ناقصها كالصبي المميز، غير أن كامل الأهلية عقده نافذ، وناقصها عقده موقوف.
*أن يعلم كل من العاقدين ما صدر من الآخر، بأن يسمع كلامه أو يرى إشارته ويعرف مراده منها، وأن يعرف أن هذه العبارة أو تلك الإشارة يقصد بها إنشاء العقد وإن لم يعرف معاني أهلا الكلمات اللغوية.
ما يرجع إلى الصيغة:
اتحاد مجلس الإيجاب والقبول. أن يوافق القبول الإيجاب حتى يتلاقيا على شيء واحد. أن تكون الصيغة منجزة.
*بأن تكون مفيدة لمعناها في الحال غير معلقة على أمـر سـيحدث المستقبل
ما يرجع إلى المحل: وهو المرأة المعقود عليها فيشترط فيها:
أن تكون أنثى محققةالأنوثة.
ألا تكون المرأة محرمة عليه تحريماً قطعياً لا شبهة فيه.
۲ ـ شروط الصحة: ويترتب على تخلف شيء منها بطلان العقد أو فساده على الخلاف بين الجمهور والحنفية في ذلك، والذي سنشرحه في محله، وشروط الصحة عند الحنفية هي:
ألا تكون المرأة محرمة على الرجل الذي يريد التزويج بما تحريماً ظنياً، بأن كانت حرمتها ثابتة بدليل ظني أو مما يخفى تحريمها للاشتباه في أمره.
أن يكون العقد أمام شهود.
۳ ـ شروط النفاذ: العقد إذا كان مستوفياً لأركانه وشروط صحته لا تترتب عليه آثاره بالفعل إلا بشروط تسمى في عرف الفقهاء بشروط النفاذ، ويجمعها أن يكون لكل من العاقدين الحق في إنشاء عقد الزواج، ويتحقق ذلك بكمال أهليتهما مع وجود صفة شرعية تجيز لهما إنشاء هذا العقد، وكمال الأهلية بالحرية والبلوغ والعقل، والصفة هي الأصالة أو الولاية أو الوكالة.
* 4 ـ شروط اللزوم: هي الشروط التي إذا تحققت كلها لم يكن لأحد الحق في فسخ العقد، فإن تخلفت تلك الشروط أو بعضها كان العقد غير لازم يجوز فسخه إذا طلب ذلك صاحب الشأن، ويشترط للزوم عقد الزواج إجمالاً أن يكون خالياً مما يوجب الفسخ، ويتحقق ذلك بتوفر الشروط التالية:
كفئاً للزوجة إذا زوجت نفسها وهي كاملة الأهلية، أي بالغة عاقلة رشيدة.
ألا يقل مهرها عن مهر أمثالها من قوم أبيها إذا زوجت نفسها ولو كان الزوج كفئا لها.
أن يكون المزوج لفاقد الأهلية أو ناقصها كالمجنون والمعتوه والصغير والصغيرة الأب أو الجـد أن يكون الزوج المعروفين بحسن التصرف والاختيار.
• ألا يكون الزوج قد غرر في أمور تتعلق بكفاءته، كأن يدعي نسباً معيناً تم الزواج على أساسه ثم ظهر كذبه كان العقد غير لازم بالنسبة إلى طرف الزوجة فلها أو لوليها حق طلب الفسخ.
مذهب الزيدية:
ولهم تقسيم خاص تميزوا به عن غيرهم، فقد نصوا على أن شروط الزواج التي لا يصح إلا بما أربعة، وهي:
الشرط الأول: العقد: وله خمسة أركان هي:
• الولي، ويشترط أن يكون بالغا عاقل ولو كان فاسقا ذكرا حرا لأنه لا ولاية لامرأة ولا لعبد على ملتها.
أن يعقد بلفظ تمليك خاص للتزويج كزوجت أو أنكحت أو نحوهما أو عام كملكت ونـذرت وتصدقت وبعت ووهبت حسب ما يقتضيه العرف.
أن يكون لفظ التمليك متناولا لجميعها أو بعضها، إذ هو المقصود بالتمليك بالنـكـاح فيقـول:
زوجتكها أو ملكتك إياها أو زوجتك بعضها أو ملكتك بعضها.
الشرط الثاني: إشهاد عدلين، فلا يصح العقد إلا بحضور شاهدين وسماعهما الإيجاب والقبول تفصيلا وإن لم يقصد إشهادهما
أن يقع قبول لعقد النكاح مثله، لأن من حق العقد أن يكون ماضيا مضافا إلى النفس مشتملا على جميعها أو بعضها ، فيقول فيه زوجتك أو أنكحتك ويصح بدون كاف الخطاب فيقول زوجت أو أنكحت .
الشرط الثالث:
هو رضاء الحرة والمكاتبة المكلفة، وهي البالغة العاقلة ومن شرط الرضاء أن يكون نافذا بأن تقول رضيت أو أجزت أو أذنت أو نحو ذلك مما يدل على أنها قد قطعت بالرضا ، فرضاء الثيب يكون بالنطق بماض وذلك بأن تقول رضيت أو نحو ذلك ، فأما لو قالت سوف أرضى أو ما في ه أن يكون القبول واقعا في المجلس الذي وقع فيه الإيجاب وهو ما حواه الجدار في العمران وما يسمع فيه الخطاب المتوسط في الفضاء. الشرط الثاني: إشهاد عدلين، فلا يصح العقد إلا بحضور شاهدين وسماعهما الإيجاب والقبول تفصيلا وإن لم يقصد إشهادهما. حكمه فإنه ليس برضاء وإنما هو وعد بالرضاء. ومما يقوم مقام النطق القرائن القوية كقبض المهر وطلبه والتهيؤ للزواج ومسيرها إلى بيت الزوج ومد يدها للحناء هذا إذا لم يدخل هذه القرائن احتمال كأن يكون الولي مهيبا تخشى منه إن لم ترض أن تكون هذه القرائن رضى. فلا يصح
الشرط الرابع:
تعيين المرأة حال العقد، وكذا تعيين الزوج فلا يكفي قبلت لأحد أولادي.
مذهب الامامية :
والظاهر أن مذهب الإمامية يقصر العقد على الصيغة، فقد نصوا عند الحديث عن العقـد أن النكاح يفتقر إلى إيجاب وقبول ، دالين على العقد الرافع للاحتمال. ونصوا على أنه لا يشترط في نكاح الرشيدة حضور الولي ، ولا في شيء من الأنكحة حضـور شاهدين ، ولو أوقعه الزوجان أو الأولياء سرا جاز ، ولو تآمرا بالكتمان لم يبطل. ونصوا على أنه يشترط في النكاح ، امتياز الزوجة عن غيرها بالإشارة أو التسمية أو الصفة فلـو زوجه إحدى بنتيه، أو هذا الحمل ، لم يصح أما نكاح المتعة وهو النوع الثاني من أنواع النكاح عندهم، فأركانه أربعة: الصيغة والمحل، والأجل ، والمهر"، وسنتحدث عن هذه الأركان الأربعة عندهم في محلها الخاص من
مذهب الإباضية: الظاهر من مذهبهم قصر العقد على الصيغة، وقد نصوا على أنه يجوز عقد النكاح مـن ولي أو نائبه مع زوج أو نائبه ، ولا يجوز – قيل – لولي امرأة أن يوكل غير ثقة ، فإن فعل جدد ولا يفـرق بينهما إن دخل ، ولا يقبل من مدعي وكالة إلا بصحة. وجاز للشهود أن يشهدوا على هذا القول ، وإن ادعت أن وليها وكلها في تزويج نفسها لم يقبل عنها ولم يجز ولو بينت ، وقيل: يجوز وتصدق إن كانت ثقة ، وقيل: مطلقا ومن ادعى أنه ولي فوكل أو زوج جاز ما لم يرب ، وقيل: إن أقرت ، وقيل إن كانت بنتا أو أختا، وقيل: إن كانت بنتا ، وقيل: لا مطلقا إلا بالصحة، ونصوا على وجوب افشهاد على الزواج".
التصنيف الذي نعتمده:
نرى أن أولى تصنيف لأركان الزواج هو اعتبار ثلاثة أركان للزواج هي: المحـل مـن الـزوج والزوجة، والشهادة على الزواج وإشهاره، وصيغة الزواج الدالة على التراضي، ، أما سائر ما عد مـن الأركان فهي شروط يراعي أكثرها الجانب الشكلي من الزواج دون أي تأثير في العقد نفسه. فالولي مثلا عند القائلين به مجرد وسيط بين العاقدين الحقيقيين اللذين هما الزوج والزوجة، ولهذا لا تأثير له على الأرجح ـ كما سنرى ـ في جبر موليته على الزواج بمن لا ترغب فيه، ولا بعضلها عمن ترغب فيه. أما اعتبار الإشهار أو الإشهاد أو التوثيق ركنا، فلما ورد من أن الفرق بين الزواج والسفاح هو
إعلان الزواج، والضرب عليه بالدف الذي هو كناية عن هذا الإشهار، ولأن الإشهاد هو الوسيلة الوحيدة التي تحفظ بها حقوق الزوجة، وما يترتب عن الزوجية من آثار كنسب الولـد واستحقاق والغرض من الإرث وغير ذلك من الحقوق والآثار. هذا التصنيف هو تيسير الزواج من ناحية سهولة تحصيله للقادر عليه، والتشديد في ناحية المحافظة على الحقوق والآثار المترتبة عنه. وقد أصاب المذهب الحنفي في الناحية الأولى، فهو أيسر المذاهب في ذلك، ولكنه لم يصـب في الثانية، فقد وسع فيه الحنفية فجوزوه بلا ولي ومن غير اشتراط عدالة الشهود ، و لم يفسدوه بالشروط المفسدة ، و لم يخصوه بلفظ النكاح والتزويج ، بل قالوا: ينعقد بما يفيد ملك العين للحال ، وصححوه بحضور ابني العاقدين وناعسين وسكارى يذكرونه بعد الصحو ، والغرض من كل ذلك تيسير الزواج على مريده، ودفعا لفاحشة الزنا وما يترتب عنها، (ومن هنا قيل: عجبت لحنفي يزني) وسنفصل في بيان الأدلة على ما اعتمدناه هذا التصنيف عند الحديث عن هـذه الأركـان والشروط المرتبطة بها،
المطلب الثاني
صيغة العقد والالفاظ التي تتحقق بها
1- تعريف الايجاب:
الإيجاب: إثبات الفعل الخاص الدال على الرضا الواقع أولاً من كلام أحد المتعاقدين، أو ما يقوم مقامه، سواء وقع من المملك أو المتملك 1. فقول العاقد الأول في البيع هو الإيجاب، سواء صدر من البائع أو من المشتري. فإذا قال البائع أولاً (بعت) فهو الإيجاب. وإذا ابتدأ المشتري الكلام فقال: (اشتريت بكذا) فهو الإيجاب.
2- تعريف القبول
والقبول: ما ذكر ثانياً من كلام أحد المتعاقدين، دالاً على موافقته ورضاه بما أوجبه الأول .
3- صيغة العقد والفاظه التي يتحقق بها
الزواج عقد مدني لا شكليات فيه، والعقد: ربط أجزاء التصرف، أي الإيجاب والقبول شرعاً. والمراد بالعقد هنا هو المعنى المصدري وهو الارتباط، والشرع يحكم بأن الإيجاب والقبول موجودان حساً، يرتبطان ارتباطاً حكمياً.
وكل من الإيجاب والقبول قد يكون لفظاً، وقد يكون كتابة أو إشارة، وألفاظ الإيجاب والقبول، منها ما هو متفق على انعقاد الزواج به، ومنها ما هو متفق على عدم انعقاد الزواج به، ومنها ما هو مختلف فيه.
أما الألفاظ التي اتفق الفقهاء على انعقاد الزواج بها: فهي لفظ: أنكحت وزوجت، لورودهما في نص القرآن في قوله تعالى: {زوجناكها} [الأحزاب:37/33] وقوله: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم} [النساء:22/4].
وأما الألفاظ التي اتفق الفقهاء على عدم انعقاد الزواج بها: فهي التي لا تدل على تمليك العين في الحال ولا على بقاء الملك مدة الحياة، وهي: الإباحة والإعارة والإجارة والمتعة والوصية والرهن والوديعة ونحوها.
وأما الألفاظ التي اختلفوا في انعقاد الزواج بها: فهي لفظ البيع، ولفظ الهبة، ولفظ الصدقة، أو العطية ونحوها مما يدل على تمليك العين في الحال، وبقاء الملك مدة الحياة:
1 - قال الحنفية، والمالكية على الراجح: ينعقد الزواج بها بشرط نية أو قرينة تدل على الزواج، كبيان المهر وإحضار الناس، وفهم الشهود المقصود؛ لأن المطلوب التعرف على إرادة العاقدين، وليس للفظ اعتبار، وقد ورد في الشرع ما يدل على الزواج بلفظ الهبة والتمليك.
الأول ـ في قوله تعالى: {وامرأةً مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي، إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين} [الأحزاب:50/33] والخصوصية للنبي في صحة الزواج بدون مهر، لا باستعمال لفظ الهبة.
والثاني ـ قول الرسول صلّى الله عليه وسلم لرجل لم يملك مالاً يقدمه مهراً: «قد ملكتكها بما معك من القرآن» . وهذا هو الراجح لدي؛ لأن العبرة في العقود للمعاني لا للألفاظ والمباني.
2 - وقال الشافعية والحنابلة: لا ينعقد الزواج بها، ولا ينعقد إلا بلفظ النكاح أو التزويج، لورودهما في القرآن كما تقدم، فيلزم الاقتصار عليهما، ولا يصح أن ينعقد بغيرهما من الألفاظ؛ لأن الزواج عقد يعتبر فيه النية مع اللفظ الخاص به، وآية: {إن وهبت نفسها للنبي} [الأحزاب:50/33] من خصوصيات النبي صلّى الله عليه وسلم . وحديث «ملكتكها» إما وهم من الراوي، أو أن الراوي رواه بالمعنى، ظناً منه ترادف هذا اللفظ مع لفظ الزواج، وبتقدير صحة الرواية، فهي معارضة برواية الجمهور: «زوجتكها» .
وخلاصة المذاهب ما يأتي:
ينعقد الزواج عند الحنفية بكل لفظ يدل على تمليك الأعيان في الحال، كلفظ الهبة والتمليك والصدقة والعطية والقرض والسلَم والاستئجار والصلح والصرف، والجعل والبيع والشراء، بشرط نية أو قرينة، وفهم الشهود المقصود. ولا ينعقد بقوله: تزوجت نصفك على الأصح احتياطاً، بل لا بد أن يضيفه إلى كلها أو ما يعبر به عن الكل، ومنه الظهر والبطن على الأشبه.
وينعقد عند المالكية بلفظ التزويج والتمليك، وما يجري مجراهما كالبيع والهبة والصدقة والعطية، ولا يشترط ذكر المهر، لانعقاد العقد، وإن كان لا بد منه، فيكون شرطاً لصحة العقد كالشهود، إلا إذا كان بلفظ الهبة، والألفاظ أربعة: الأول ـ ما ينعقد به الزواج مطلقاً سواء سمى العاقد صداقاً أم لا وهو
أنكحت وزوجت، والثاني ـ ماينعقد به إن سمى صداقاً وإلا فلا، وهو وهبت فقط، والثالث ـ ما فيه التردد، وهو كل لفظ يقتضي البقاء مدة الحياة، مثل: بعت لك ابنتي بصداق قدره كذا، أو ملكتك إياها أو أحللت أو أعطيت أو منحتك إياها. قيل: ينعقد به إن سمى صداقاً، وقيل: لاينعقد به مطلقاً. والرابع ـ ما لا ينعقد به اتفاقاً: وهو كل لفظ لا يقتضي البقاء مدة الحياة كالحبس والوقف والإجارة والإعارة والعمرى أي أعمرتك، وهوالراجح.
وينعقد الزواج عند الشافعية والحنابلة بلفظ التزويج والنكاح فقط، دون ماعداهما كالهبة والتمليك والإجارة، اقتصاراً على المذكور في القرآن.
المعاطاة: اتفق الفقهاء على عدم انعقاد الزواج بالتعاطي، احتراماً لأمر الفروج، وخطورتها وشدة حرمتها ، فلا يصح العقد عليها إلا بلفظ صريح أو كناية عند الحنفية والمالكية، وبلفظ صريح عند الشافعية والحنابلة كما تقدم. ولا ينعقد الزواج على المختار عند الحنفية بالإقرار، أي أن الإقرار ليس من صيغ العقد، فلو قالت امرأة: أقر بأنك زوجي، ولم تكن قد حدثت زوجية بينها وبين الرجل، فإنه لا يصح،
1- نفس المصدر السابق
لأن الإقرار إظهار لما هو ثابت وليس بإنشاء.
الألفاظ المصحفة: لا ينعقد الزواج عند الحنفية بالألفاظ المصحفة، مثل (تجوزت) أو جوزت أوزوزت،بدل «تزوجت» لعدم القصد الصحيح، لكن لو اتفق قوم على النطق بهذه الغلطة، بحيث إنهم يطلبون بها الدلالة على حل الاستمتاع، وتصدر عن قصد واختيار منهم، فينعقد بها الزواج؛ لأنه والحالة هذه
يكون وضعاً جديداً منهم ، أي أن اللفظ أصبح دالاً على الزواج عرفاً، فينعقد به الزواج، فلا يفهم العاقدان والشهود من تلك الألفاظ إلا أنها عبارة عن التزويج، ولا يقصد منها إلا ذلك المعنى بحسب العرف.
وقال الشافعية: ينعقد الزواج بالألفاظ المحرفة مثل: جوزتك موكلتي.
الألفاظ غير العربية: اتفق أكثر الفقهاء على أن الأجنبي غير العربي العاجز عن النطق بالعربية يصح انعقاد زواجه بلغته التي يفهمها ويتكلم بها؛ لأن العبرة في العقود للمعاني، ولأنه عاجز عن العربية، فسقط عنه النطق بالعربية كالأخرس. وعليه أن يأتي بمعنى التزويج أو الإنكاح بلسانه، بحيث يشتمل على معنى اللفظ العربي.
أما إذا كان العاقد يحسن التكلم بالعربية: فيجوز عند الجمهور في الأصح عند الشافعية النطق بكل لغة يمكن التفاهم بها؛ لأن المقصود هو التعبير عن الإرادة، وذلك واقع في كل لغة، ولأنه أتى بلفظه الخاص، فانعقد به، كما ينعقد بلفظ العربية.
وقال الحنابلة: لا يجوز الزواج إلا بالعربية لمن قدر عليها، فمن قدر على لفظ الزواج بالعربية، لم يصح بغيرها؛ لأنه عدل عن لفظي ( الإنكاح والتزويج ) مع القدرة عليهما، فلم يصح، كما لم يصح بألفاظ الهبة والبيع والإحلال.
وقد أخذ القانون السوري (م 6) برأي الجمهور، فنص على أنه: يكون الإيجاب والقبول في الزواج بالألفاظ التي تفيد معناه لغة أو عرفاً.
ثانياً ـ صيغة الفعل :
قد تكون صيغة الإيجاب والقبول بلفظ الماضي أو بلفظ المضارع أو بلفظ الأمر، واتفق الفقهاء على انعقاد الزواج بصيغة الماضي، واختلفوا في المضارع والأمر.
أ ـ ينعقد الزواج بصيغة الفعل الماضي: كأن يقول ولي المرأة للرجل: زوجتك ابنتي فلانة على مهر كذا، فقال الزوج: قبلت أورضيت؛ لأن المقصود بهذه الصيغة إنشاء العقد في الحال، فينعقد بها العقد من غير توقف على نية أو قرينة.
ب ـ وأما العقد بصيغة المضارع: مثل أن يقول الرجل للمرأة في مجلس العقد: أتزوجك على مهر قدره كذا، فقالت: أقبل أو أرضى، صح العقد عند الحنفية والمالكية إذا كانت هناك قرينة تدل على إرادة إنشاء العقد في الحال، لا للوعد في المستقبل، كأن يكون المجلس مهيئاً لإجراء عقد الزواج، فوجود هذه الهيئة ينفي إرادة الوعد أو المساومة، ويدل على إرادة التنجيز؛ لأن الزواج بعكس البيع يكون مسبوقاً بالخطبة.
فإن لم يكن المجلس مهيئاً لإنجاز العقد، ولم توجد قرينة دالة على قصد إنشاء الزواج في الحال، فلا ينعقد العقد.
ولا ينعقد الزواج عند الشافعية والحنابلة بصيغة المضارع، وإنما لا بد عندهم من لفظ بصيغة الماضي مشتق من النكاح أوالزواج، بأن يقول الزوج: تزوجت أو نكحت أو قبلت نكاحها أو تزويجها، ولا يصح بكناية: كأحللتك ابنتي، إذ لا اطلاع للشهود على النية. ولو قال ولي المرأة: زوجتك، فقال الزوج: قبلت، لم ينعقد الزواج لدى الشافعية على المذهب، وينعقد عند الجمهور غير الشافعية.
جـ ـ ويصح العقد عند الحنفية والمالكية بصيغة الأمر: كأن يقول الرجل لامرأة: زوجيني نفسك، وقصد بذلك إنشاء الزواج، لا الخطوبة، فقالت المرأة: زوجتك نفسي، تم الزواج بينهما.
وتوجيه ذلك عند الحنفية : أن قول الرجل يتضمن توكيل المرأة في أن تزوجه بنفسها، فقولها: زوجتك نفسي، قام مقام الإيجاب والقبول. والتوجيه عند المالكية أن صيغة الأمر تعتبر إيجاباً للعقد عرفاً، ولا تعتبر توكيلاً ضمنياً. وهذا القول أوجه.وعبارة المالكية: ينعقد النكاح بالإيجاب والاستيجاب، أي طلب الإيجاب.
د ـ أما انعقاد الزواج بلفظ الاستفهام مثل قول رجل لآخر: زوجتني ابنتك؟ فقال الآخر: زوجت، أو قال: نعم، فلا يكون عند الحنفية زواجاً، ما لم يقل الموجب بعدئذ: قبلت؛ لأن قوله: زوجتني؟ استفهام أو استخبار، وليس بعقد، بخلاف صيغة الأمر: زوجني، فإنه توكيل ضمني، كما عرفنا.
والخلاصة: لا ينعقد الزواج عند الشافعية إلا بصيغة الماضي، ومن مادة الزواج والنكاح، وينعقد عند المالكية والحنفية بالماضي والمضارع والأمر، إذا دلت القرينة أو دلالة الحال على أنه للإيجاب، لا للوعد.
ولا يشترط عند الجمهور غيرالحنابلة تقديم الإيجاب على القبول، بل يندب، بأن يقول الولي: زوجتك إياها أو أنكحتك. وقال الحنابلة: إذا تقدم القبول على الإيجاب،
لم يصح، سواء أكان بلفظ الماضي: تزوجت، أم بلفظ الطلب: زوجني.
وتوجيه ذلك عند الحنفية : أن قول الرجل يتضمن توكيل المرأة في أن تزوجه بنفسها، فقولها: زوجتك نفسي، قام مقام الإيجاب والقبول. والتوجيه عند المالكية أن صيغة الأمر تعتبر إيجاباً للعقد عرفاً، ولا تعتبر توكيلاً ضمنياً. وهذا القول أوجه.وعبارة المالكية: ينعقد النكاح بالإيجاب والاستيجاب، أي طلب الإيجاب.
د ـ أما انعقاد الزواج بلفظ الاستفهام مثل قول رجل لآخر: زوجتني ابنتك؟ فقال الآخر: زوجت، أو قال: نعم، فلا يكون عند الحنفية زواجاً، ما لم يقل الموجب بعدئذ: قبلت؛ لأن قوله: زوجتني؟ استفهام أو استخبار، وليس بعقد، بخلاف صيغة الأمر: زوجني، فإنه توكيل ضمني، كما عرفنا.
والخلاصة: لا ينعقد الزواج عند الشافعية إلا بصيغة الماضي، ومن مادة الزواج والنكاح، وينعقد عند المالكية والحنفية بالماضي والمضارع والأمر، إذا دلت القرينة أو دلالة الحال على أنه للإيجاب، لا للوعد.
ولا يشترط عند الجمهور غيرالحنابلة تقديم الإيجاب على القبول، بل يندب، بأن يقول الولي: زوجتك إياها أو أنكحتك. وقال الحنابلة: إذا تقدم القبول على الإيجاب، لم يصح، سواء أكان بلفظ الماضي: تزوجت، أم بلفظ الطلب: زوجني.
رابعاً ـ انعقاد الزواج بالكتابة والإشارة :
ينعقد الزواج أحياناً بالكتابة أو الإشارة على التفصيل الآتي :
1 َ - الناطق في حال الحضور: إن كان العاقدان حاضرين معاً في مجلس العقد وكانا قادرين على النطق: فلا يصح بالاتفاق الزواج بينهما بالكتابةأو الإشارة، ولو كانت الكتابة بينة واضحة، والإشارة مفهمة في الدلالة على إنشاء الزواج، للاستغناء عنها بالنطق، ولأن اللفظ هو الأصل في التعبير عن الإرادة، ولا يلجأ إليه إلا عند الضرورة، ولا ضرورة هنا، ولأنه لا يتيسر للشهود سماع كلام العاقدين في حال الكتابة.
2 ً - الناطق في حال الغيبة: إذا كان أحد العاقدين غائباً عن مجلس العقد: ينعقد الزواج عند الحنفية بالكتابة أو إرسال رسول، إذا حضر شاهدان عند وصول الكتاب أو الرسول؛ لأن الكتاب من الغائب خطابه، قال الحنفية : «الكتابة من الغائب بمنزلة الخطاب من الحاضر»
مثال الكتاب: أن يكتب رجل لخطيبته: تزوجتك أو زوجيني نفسك، فقالت المرأة في مجلس وصول الكتاب: قبلت الزواج، بحضور شاهدين، صح الزواج؛ لأن سماع الشاهدين شطري العقد (الإيجاب والقبول) شرط لصحة الزواج.
ومثال إرسال الرسول: أن يرسل الخاطب إلى خطيبته الغائبة عن المجلس شخصاً يبلغها الإيجاب مشافهة، فإذا قبلت في مجلس بلوغ الرسالة بحضور شاهدين، تم الزواج.
وقال المالكية والشافعية والحنابلة: لا ينعقد الزواج بكتابة في غيبة أو حضور؛ لأن الكتابة كناية، فلو قال الولي لغائب: زوجتك ابنتي، أو قال: زوجتها من فلان، ثم كتب، فبلغه الكتاب، أي الخبر، فقال: قبلت، لم يصح العقد.
3 ً - الأخرس: إذا كان أحد العاقدين أخرس أو معتقل اللسان:
أ ـ فإن كان قادراً على الكتابة، انعقد الزواج بها كما ينعقد بالإشارة، بالاتفاق حتى عند الشافعية؛ لأنها ضرورة، لكن في الرواية الظاهرة عند الحنفية: لا ينعقد بالإشارة، وإنما ينعقد بالكتابة في حال القدرة عليها؛ لأن الكتابة أقوى في الدلالة على المراد، وأبعد عن الاحتمال من الإشارة. وعلى كل حال: الكتابة بالاتفاق أولى من الإشارة؛ لأنها بمنزلة الصريح في الطلاق والإقرار.
ب ـ وإن كان الأخرس أو نحوه عاجزاً عن الكتابة: انعقد الزواج بالإشارة المفهمة المعلومة بالاتفاق؛ لأنها حينئذ الوسيلة المتعينة للتعبير عن الإرادة.
والخلاصة: ينعقد نكاح الأخرس بكتابته أو إشارته عند الفقهاء وتتعين الكتابة عند الحنفية إذا قدر عليها.
المبحث الثاني
شروط انعقاد عقد الزواج
المطلب الأول: شروط العاقدين
1- ان يكون كل من العاقدين اهلا لمباشرة العقد
أن يكون العاقد لنفسه أو لغيره أهلاً لمباشرة العقد، وذلك بالتمييز فقط، فإذا كان غير مميز كصبي لم يبلغ السابعة ومجنون، لم ينعقد الزواج؛ ويكون باطلاً؛ لعدم توافر الإرادة والقصد الصحيح المعتبر شرعاً.
ولا يشترط البلوغ لانعقاد الزواج وصحته، وإنما هو شرط لنفاذ العقد عند الحنفية.
وأجاز الشافعية للولي من أب أو جد تزويج صغير مميز ولو أكثر من واحدة إن رآه الولي مصلحة؛ لأن تزويجه بالمصلحة؛ وقد تقتضي ذلك . وأجاز الحنابلة أيضاً للأب خاصة تزويج ابنه الصغير أو المجنون ولو كان كبيراً، روى الأثرم: «أن ابن عمر زوج ابنه وهوصغير، فاختصموا إلى زيد فأجازاه جميعاً» وللأب أن يزوج الصغير بأكثر من واحدة إن رأى فيه مصلحة. وأجاز المالكية للأب والوصي والحاكم تزويج المجنون والصغير لمصلحة كالخوف من الزنا أو الضرر، أو ممن تحفظ له ماله، والصداق على الأب.
2- ان يعلم كل من العاقدين ما صدر من الاخر
أن يسمع كل من العاقدين لفظ الآخر، ولو حكماً كالكتاب إلى امرأة غائبة، ويفهم أن المقصود منه إنشاء الزواج، ليتحقق رضاهما به. والأدق أن يعتبر هذا شرطاً في صيغة العقد.ولا يشترط عند الحنفية توافر حقيقة الرضا، فيصح الزواج مع الإكراه والهزل. 2
المطلب الثاني
شروط الصيغة (الايجاب والقبول)
1- اتحاد مجلس الايجاب والقبول
اتحاد المجلس إذا كان العاقدان حاضرين: وهو أن يكون الإيجاب والقبول في مجلس واحد، بأن يتحد مجلس الإيجاب والقبول، لا مجلس المتعاقدين؛ لأن شرط الارتباط اتحاد الزمان، فجعل المجلس جامعاً لأطرافه تيسيراً على العاقدين. فإن اختلف المجلس، فلا ينعقد العقد، فإذا قالت المرأة: زوجتك نفسي، أو قال الولي: زوجتك ابنتي، فقام الآخر عن المجلس قبل القبول، أو اشتغل بعمل يفيد انصرافه عن 1المجلس، ثم قال: قبلت بعدئذ، فإنه لا ينعقد العقد عند الحنفية. وهذا يدل على أن مجرد الوقوف بعد القعود يغير المجلس. وكذلك إذا انصرف العاقد الأول عن المجلس بعد الإيجاب، فقبل الآخر وهو في المجلس في غيبة الأول أوبعد عودته، لم ينعقد العقد. ويتغير المجلس عند الحنفية بالسير حال المشي أو الركوب على دابة بأكثر من خطوتين، كما يعد نوم العاقدين مضطجعين، لا جالسين، دليل الإعراض عن القبول. لكن لا يشترط الفور في القبول؛ فينعقد العقد وإن طال المجلس. وينعقد إن كان العاقدان على سفينة سائرة؛ لأن السفينة في حكم مكان واحد.
والمعول عليه في الحقيقة في الحد الفاصل بين اتحاد المجلس واختلافه هوالعرف، فما يعتبر في العرف إعراضاً عن العقد أو فاصلاً بين الإيجاب والقبول يكون مغيراً لمجلس العقد، وما لا يعتبر فيه إعراضاً عن العقد أو فاصلاً بين الإيجاب والقبول لا يكون مغيراً للمجلس.
وعند الجمهور: يشترط الفور بألا يفصل بين الإيجاب والقبول فاصل كثير ، وعبارة الشافعية: يشترط ألا يطول الفصل في لفظي العاقدين بين الإيجاب والقبول، فإن طال ضر؛ لأن طول الفصل يخرج القبول عن أن يكون جواباً عن الإيجاب. والفصل الطويل: هو ما أشعر بإعراضه عن القبول. ولا يضر الفصل اليسير لعدم إشعاره بالإعراض عن القبول. ويضر تخلل كلام أجنبي
عن العقد، ولو يسيراً بين الإيجاب والقبول، وإن لم يتفرقا عن المجلس؛ لأن فيه إعراضاً عن القبول.
وأما في حال غيبة أحد العاقدين عن الآخر، والتعاقد بطريق الكتابة أو الرسالة، فقال الحنفية: مجلس عقد الزواج: وهو مجلس قراءة الكتاب أمام الشهود، أو سماع رسالة الرسول بحضرة الشهود، فعندئذ يتحد المجلس؛ لأن الكتاب بمنزلة الخطاب من الكاتب، ولأن كلام الرسول كلام المرسل؛ لأنه ينقل عبارة المرسل، فكان قراءة الكتاب، وسماع قول الرسول، وكلام الكاتب معنى، وسماع قول المرسل معنى. فإن لم يقرأ الكتاب أو لم يسمع كلام الرسول لا ينعقد العقد عند أبي حنيفة ومحمد، لاشتراط الشهادة على شطري العقد.
وإن قرأت المرأة الكتاب أو سمعت الرسالة أمام الشهود، ثم قامت من المجلس لقضاء مصلحة أخرى، أو اشتغلت بالحديث في شيء آخر أجنبي عن العقد، ثم قالت: زوجت نفسي من فلان، فلا ينعقد الزواج، لاختلاف المجلس.
لكن لو أعادت المرأة قراءة الكتاب في مجلس آخر، فقبلت أمام الشهود، صح العقد، لبقاء الكتابة، أما لو أعاد الرسول الإيجاب في مجلس آخر، فقبلت، لم يصح؛ لأن رسالته انتهت أولاً بخلاف الكتابة لبقائها.
2- ان يوافق القبول الايجاب
توافق القبول مع الإيجاب ومطابقته له: يتحقق التوافق باتحاد القبول والإيجاب في محل العقد وفي مقدار المهر،فإذا تخالفا فإن كانت المخالفة في محل العقد، مثل قول أبي الفتاة: زوجتك خديجة، فيقول الرجل: قبلت زواج فاطمة، فلا ينعقد الزواج؛ لأن القبول انصرف إلى غير من وجد الإيجاب فيه، فلم يصح، كما لو ساومه بثوب، وأوجب العقد في غيره بغير علم المشتري. وإن كانت 1
المخالفة في مقدار المهر، مثل: زوجتك ابنتي على ألف درهم، فقال الزوج: قبلت الزواج بثمانمائة، لا ينعقد العقد، إلا إذا كانت المخالفة لخير، بأن قال الزوج: قبلت بألف ومائة، فيصح العقد عند الحنفية.
وسبب عدم انعقاد العقد في المخالفة بمقدار المهر، وإن لم يكن المهر ركناً من أركان العقد: هو أن المهر إذا ذكر في العقد، التحق بالإيجاب وصار جزءاً منه، فيلزم أن يأتي القبول على وفق الإيجاب، حتى ينعقد العقد.
فإن لم يذكر المهر في العقد، أو صرح بأن لا مهر للمرأة، فلا يكون جزءاً من الإيجاب، ولكن يجب في هذه الحالة مهر المثل؛ لأن المهر في الزواج واجب بإيجاب الشرع، فلا يصح إخلاء الزواج منه.
3-ان تكون الصيغة منجزة
التنجيز في الحال: الزواج كالبيع يشترط فيه كونه في الحال، فلا يجوز في المذاهب الأربعة كونه مضافاً إلى المستقبل، كتزوجتك غداً، أو بعد غد، ولا معلقاً على شرط غير كائن، كتزوجتك إن قدم زيد، أو إن رضي أبي، أو إذا طلعت الشمس فقد زوجتك بنتي؛ لأن عقد الزواج من عقود التمليكات أو المعاوضات، وهي لا تقبل التعليق ولا الإضافة، ولأن الشارع وضع عقد الزواج ليفيد حكمه في الحال، والتعليق والإضافة يناقضان الحقيقة الشرعية. لكن يصح التعليق بشرط ماض كائن لا محالة، فينعقد العقد في الحال، كأن خطب شخص بنتاً لابنه، فقال أبوها: زوجتها قبلك من فلان، فكذبه، فقال: إن لم أكن زوجتها لفلان، فقد زوجتها لابنك، فقبل، ثم علم كذبه، انعقد العقد، لتعليقه بموجود، وكذا إذا وجد المعلق عليه في المجلس. ومثل: تزوجتك إن كان عمرك عشرين، وكانت في الواقع كذلك. ومثل: تزوجتك إن رضي أبي، وكان أبوها في المجلس فرضي، صح العقد.
وذكر الشافعية: أنه لو قال الولي: زوجتك إن شاء الله ، وقصد التعليق أو أطلق، لم يصح العقد، وإن قصد التبرك، أو أن كل شيء بمشيئة الله تعالى، صح. ولو قال: إن كان ما ولد لي من ولد أنثى فقد زوجتها، أو قال: إن كانت بنتي طلقت واعتدت، فقد زوجتها، فالمذهب بطلان الزواج في هذه الصور لوجود صورة التعليق.
المطلب الثالث
شروط المحل وهي المرأة المعقود عليها
1- ان تكون انثى محققة الانوثة
يتحقق التوافق باتحاد القبول والإيجاب في محل العقد وفي مقدار المهر،فإذا تخالفا فإن كانت المخالفة في محل العقد، مثل قول أبي الفتاة: زوجتك خديجة، فيقول الرجل: قبلت زواج فاطمة، فلا ينعقد الزواج؛ لأن القبول انصرف إلى غير من وجد الإيجاب فيه، فلم يصح، كما لو ساومه بثوب، وأوجب العقد في غيره بغير علم المشتري. وإن كانت 1
المخالفة في مقدار المهر، مثل: زوجتك ابنتي على ألف درهم، فقال الزوج: قبلت الزواج بثمانمائة، لا ينعقد العقد، إلا إذا كانت المخالفة لخير، بأن قال الزوج: قبلت بألف ومائة، فيصح العقد عند الحنفية.
وسبب عدم انعقاد العقد في المخالفة بمقدار المهر، وإن لم يكن المهر ركناً من أركان العقد: هو أن المهر إذا ذكر في العقد، التحق بالإيجاب وصار جزءاً منه، فيلزم أن يأتي القبول على وفق الإيجاب، حتى ينعقد العقد.
فإن لم يذكر المهر في العقد، أو صرح بأن لا مهر للمرأة، فلا يكون جزءاً من الإيجاب، ولكن يجب في هذه الحالة مهر المثل؛ لأن المهر في الزواج واجب بإيجاب الشرع، فلا يصح إخلاء الزواج منه.
2- ان لا تكون محرمة عليه تحريما قطعياً
ألا تكون محرَّمة على الرجل تحريماً قاطعاً لا شبهة فيه: فلا ينعقد الزواج بالمحارم كالبنت والأخت والعمة والخالة، والمتزوجة بزوج آخر، والمعتدة، والمرأة المسلمة بغير المسلم، والزواج في كل هذه الحالات باطل.2
الخلاصة
أن الفقهاء اتفقوا على صحة الشروط التي تلائم مقتضى العقد، وعلى بطلان الشروط التي تنافي المقصود من الزواج أو تخالف أحكام الشريعة. واتفق الحنفية والمالكية والحنابلة على صحة الشروط التي يكون فيهاتحقيق وصف مرغوب فيه، أو خلو المرأة من عيب لا يثبت الخيار في فسخ الزواج. واختلفوا في الشروط التي لا تكون من مقتضى العقد، ولكنها لا تنافي حكماً من أحكام الزواج، وفيها منفعة لأحد العاقدين، كاشتراط ألا يتزوج عليها أو ألا يسافر بها، أو ألا يخرجها من دارها أو بلدها ونحوها:
فالحنابلة يقولون: إنها شروط صحيحة يلزم الوفاء بها.
والحنفية يقولون: إنها شروط ملغاة، والعقد صحيح.
والمالكية يقولون: إنها شروط مكروهة لا يلزم الوفاء بها، بل يستحب فقط.
والشافعية يقولون: إنها شروط باطلة، ويصح الزواج بدونها.
ورأي الحنابلة هو الراجح لدي، للأدلة السابقة التي ذكروها، لذا أخذ به القانون السوري.
وأما تأثير الشرط الفاسد على العقد: فعند الحنفية: الشرط الفاسد لا يفسد العقد، وإنما يلغى الشرط وحده، ويصح العقد. والحنابلة يوافقون الحنفية فيما ذكر إلا في بعض الشروط فإنها تبطل العقد، منها توقيت العقد، واشتراط طلاق المرأة في وقت معين، واشتراط الخيار في فسخ الزواج في مدة معينة. وهذا هو النوع الثالث عندهم. وأما عند الشافعية: فإن الشرط الفاسد يفسد العقد إذا أخل بمقصود الزواج الأصلي، وإلا فسد الشرط وحده. لكن قال المالكية: يجب فسخ العقد ما دام الرجل لم يدخل بالمرأة، فإن دخل بها مضى العقد وألغي الشرط، وبطل المسمى، ووجب للمرأة مهر المثل.
شروط النفاذ :
اشترط الحنفية لنفاذ عقد الزواج وترتب آثاره عليه بالفعل بعد انعقاده صحيحاً الشروط الخمسة التالية :
1 - أن يكون كل من الزوجين كامل الأهلية إذا تولى عقد الزواج بنفسه، أو بوكيل عنه، وكمال الأهلية بالعقل والبلوغ والحرية، فمتى كان كل من الزوجين عاقلاً بالغاً حراً، نفذ العقد وترتبت آثاره عليه، من حل الدخول ووجوب المهر وغيرهما، وقال محمد كما تقدم: إذا زوجت المرأة البالغة العاقلة نفسها بدون ولي، كان زواجها موقوفاً على إجازة الولي.
أما إن باشر عقد الزواج صبي مميز أو عبد، فيتوقف العقد عند الحنفية والمالكية على إجازة الولي من أب ونحوه، أو سيد. وإن باشره مجنون أوغير مميز فلا ينعقد أصلاً.
وعند الشافعية والحنابلة:لا تنعقد تصرفات العبد والصبي المميز وغير المميز أصلاً، بل هي باطلة.
2 - أن يكون الزوج رشيداً، إذا تولى الزواج بنفسه: هذا شرط عند المالكية، فإن كان سفيهاً غير رشيد: وهو الذي لا يحسن التصرف في ماله، وتزوج بدون إذن الولي، توقف عقد زواجه عند المالكية على إجازة وليه.
وقال الشافعية والحنابلة: الرشد شرط لصحة الزواج، فلو تزوج السفيه بغير إذن وليه، كان الزواج باطلاً؛ لأنه تصرف يجب به مال، وفي الزواج ودفع المهر والنفقة إتلاف للمال أو مظنة إتلافه.
وقال الحنفية: ليس الرشد شرطاً لصحة الزواج ولا لنفاذه، فإن تزوج السفيه امرأة جاز زواجه؛ لأنه من حوائجه الأصلية وتصرفاته الشخصية، والحجر
إنما هو على التصرفات المالية المحضة. والقاعدة عندهم : أن كل ما لا يؤثر فيه الهزل كالعتق والنكاح، لا يؤثر فيه الحجر، لكن لا يثبت للمرأة أكثر من مهر المثل إذا كان السفيه هو الزوج، ويثبت فيه مهر المثل على الأقل إذا كانت الزوجة هي السفيهة.
3 - ألا يكون العاقد ولياً أبعد مع وجود الولي الأقرب المقدم عليه: شرط نفاذ عند الحنفية، فإن زوج الولي الأبعد مع وجود الأقرب منه، كان العقد موقوفاً على إجازة الولي الأقرب.
وهو شرط صحة عند الشافعية والحنابلة ، فلا يصح زواج الولي الأبعد مع وجود الأقرب إلا إذا كان هناك مانع كالجنون واختلال النظر بهرم أو خَبَل (فساد في العقل)، والصغر، والحجر بسفه، والعضل (أي المنع من الزواج بغير حق).
وقال المالكية : إن كان الولي الأقرب غير مجبر كالابن والأخ والجد والعم، كان العقد صحيحاً مكروهاً. وإن كان الأقرب ولياً مجبراً (وهو الأب) فسخ العقد أبداً، إلا إذا أجازه الولي الأقرب، وكان الذي تولاه مفوضاً إلىه الأمر بالبينة.
4 - ألا يخالف الوكيل موكله فيما وكله به: فإذا وكل شخص غيره ليزوجه فتاة معينة أو بمهر معين، فزوجه فتاة غيرها، أوزوجه بمهر أكثر، لم ينفذ العقد، وكان موقوفاً على إجازة الموكل. فلو لم يعلم حتى دخل بقي الخيار له بين إجازته وفسخه، ويكون للمرأة عند الحنفية الأقل من المسمى ومهر المثل؛ لأن الموقوف كالفاسد.
5 - ألا يكون العاقد فضولياً: والفضولي: هو من لا يكون له ولاية التزويج وقت العقد. وهو شرط نفاذ عند الحنفية والمالكية. فإذا زوج شخص امرأة لرجل وقبل عنه، دون ولاية ولا وكالة عنه وقت العقد، كان الزواج موقوفاً على إجازة الزوج عندهم.
وأما عند الشافعية والحنابلة فتصرف الفضولي من بيع وزواج باطل.
شروط اللزوم :
معنى لزوم العقد: ألا يكون لأحد العاقدين أو لغيرهما حق فسخه بعد انعقاده، بأن يخلو العقد من الخيار. ويشترط للزوم الزواج أربعة شروط هي:
1 - أن يكون الولي المزوج لفاقد الأهلية كالمجنون والمعتوه، أو ناقصها وهو الصغير والصغيرة: هو الأب أو الجد، وهو شرط عند أبي حنيفة ومحمد. فلو كان المزوج لهما غيرهما كالأخ والعم، كان لكل منهما حق فسخ العقد عند زوال المانع أي الإفاقة من الجنون أو العته، والبلوغ بعد الصغر، حتى ولو كان الزواج بالكفء وبمهر المثل ؛ لأن قرابة غير الأصل والفرع قرابة حواشي، فلا يساوون الأصل والفرع بالشفقة، فيقدر زواجهم بالمصلحة الظاهرة، ويعطى المتزوج خيار الفسخ.
ودليل أبي حنيفة ومحمد: ما روي أن قدامة بن مظعون زوَّج بنت أخيه: عثمان بن مظعون، من عبد الله بن عمر رضي الله عنه، فخيرها رسول الله صلّى الله عليه وسلم بعد البلوغ، فاختارت نفسها، حتى روي أن ابن عمر قال: إنها انتزعت مني بعد ما ملكتها.
وقال أبو يوسف: ليس هذا بشرط، ويلزم نكاح غير الأب والجد من الأولياء، فلا يثبت الخيار للمولى عليه؛ لأن هذا النكاح صدر من ولي، فيلزم، كما إذا صدر عن الأب والجد، لأن ولاية التزويج ولاية نظر في حق المولى عليه، وقد اجتهد الولي في تحقيق المصلحة، ونظر فيما هو الأولى والأصلح.
فإذا زوج الحاكم فاقد الأهلية أو ناقصها، فلا خيار للمولى عليه في رأي أبي حنيفة خلافاً لمحمد؛ لأن ولاية الحاكم أعم من ولاية الأخ والعم؛ لأنه يملك التصرف في النفس والمال، فكانت ولايته شبيهة بولاية الأب والجد، وولايتهما ملزمة، فتلزم ولاية الحاكم.
2 - أن يكون الزوج كفئاً للزوجة إذا زوجت المرأة الحرة البالغة العاقلة نفسها من غير رضا الأولياء بمهر مثلها، وكان لها ولي عاصب لم يرض بهذا الزواج، فلهذا الولي طلب فسخ الزواج من القاضي. وهذا شرط عند الحنفية في ظاهر الرواية.
وكذلك قال أئمة بقية المذاهب: الكفاءة في الزوج شرط للزوم الزواج، لا لصحته، فيصح النكاح مع فقدها، وهي حق للمرأة والأولياء كلهم القريب والبعيد، لتساويهم في لحوق العار بفقد الكفاءة، فلو زوجت المرأة بغير كفء، فلمن لم يرض بالنكاح الفسخ، فوراً أو تراخياً، سواء من المرأة أو الأولياء
فإذا زوج الحاكم فاقد الأهلية أو ناقصها، فلا خيار للمولى عليه في رأي أبي حنيفة خلافاً لمحمد؛ لأن ولاية الحاكم أعم من ولاية الأخ والعم؛ لأنه يملك التصرف في النفس والمال، فكانت ولايته شبيهة بولاية الأب والجد، وولايتهما ملزمة، فتلزم ولاية الحاكم.
2 - أن يكون الزوج كفئاً للزوجة إذا زوجت المرأة الحرة البالغة العاقلة نفسها من غير رضا الأولياء بمهر مثلها، وكان لها ولي عاصب لم يرض بهذا الزواج، فلهذا الولي طلب فسخ الزواج من القاضي. وهذا شرط عند الحنفية في ظاهر الرواية.
وكذلك قال أئمة بقية المذاهب: الكفاءة في الزوج شرط للزوم الزواج، لا لصحته، فيصح النكاح مع فقدها، وهي حق للمرأة والأولياء كلهم القريب والبعيد، لتساويهم في لحوق العار بفقد الكفاءة، فلو زوجت المرأة بغير كفء، فلمن لم يرض بالنكاح الفسخ، فوراً أو تراخياً، سواء من المرأة أو الأولياء
جميعهم؛ لأنه خيار لنقص في المعقود عليه كخيار البيع، ويملكه الأبعد من الأولياء مع رضا الأقرب منهم به، ومع رضا الزوجة، دفعاً لما يلحقه من لحوق العار.
والدليل على أن الكفاءة شرط لزوم لا شرط صحة أنه صلّى الله عليه وسلم : «أمر فاطمة بنت قيس أن تنكح أسامة بن زيد مولاه، فنكحها بأمره» وروت عائشة «أن أبا حذيفة ابن عقبة بن ربيعة تبنى سالماً، وأنكحه ابنة أخيه: الوليد بن عقبة، وهو مولى لامرأة من الأنصار» وعن أبي حنظلة بن أبي سفيان الجمحي عن أمه قالت: «رأيت أخت عبد الرحمن بن عوف تحت بلال».
3 - أن يكون المهر بالغاً مهر المثل إذا زوجت الحرة العاقلة البالغة نفسها من غير كفء، بغير رضا الأولياء، وألا يقل عن مهر المثل إذا زوجت المرأة نفسها من كفء. وهذا عند أبي حنيفة، فللأولياء حق الاعتراض وطلب فسخ الزواج، إلا إذا قبل الزوج زيادة المهر إلى مهر المثل، فلا يكون للولي حينئذ حق الفسخ، وبناء عليه إما أن يزيد الزوج إلى مهر المثل أو يفرق بينهما.
وعند أبي يوسف ومحمد: ليس هذا بشرط، ويلزم النكاح بدونه.
4 - خلو الزوج عن عيب الجب والعنة عند عدم الرضا من الزوجة بهما.
هذه هي شروط الزواج الشرعية، أما الشروط القانونية الموضوعة لإجراء عقد الزواج رسمياً ولسماع دعوى الزوجية، لمنع الناس من تزويج الصغار، ومحاولة ادعاء الزوجية زوراً، فهي مجرد قيود قانونية.
الخاتمة
الحمد لله تعالى الذي وفقنا في تقديم هذا البحث، وها هي القطرات الأخيرة في مشوار هذا البحث، وقد كان البحث يتكلم عن (شروط انعقاد عقد الزواج في الفقه الاسلامي)، وقد بذلنا كل الجهد والبذل لكي يخرج هذا البحث في هذا الشكل.
ونرجو من الله أن تكون رحلة ممتعة وشيقة، وكذلك نرجو أن تكون قد أرتقت بدرجات العقل الفكر، حيث لم يكن هذا الجهد بالجهد اليسير، ونحن لا ندعى الكمال فإن الكمال لله عز وجل فقط، ونحن ق قدمنا كل الجهد لهذا البحث، فإن وفقنا فمن الله عز وجل وإن أخفقنا فمن أنفسنا، وكفانا نحن شرف المحاولة، واخيراً نرجو أن يكون هذا البحث قد نال إعجابكم.
وصل اللهم وسلم وبارك تسليما كثيراً على معلمنا الأول وحبيبنا سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام.
تم بعونه

تعليقات
إرسال تعليق