القائمة الرئيسية

الصفحات

أحدث المقالات

المعرب والدخيل ( الكاتب والمؤلف ياسين النداوي )



ملخص البحث
في هذا البحث، تناولت مفهوم المعرَّب والدخيل عند بعض أهل اللغة القدماء فقط؛ فضيقُ الوقت وندرة المصادر حالَا بيني وبين تتبع المفهومينِ عند المُحدَثين، ولم أتطرق للخلاف حول الألفاظ المعرَّبة الواردة في القرآن الكريم.
لقد "كان التعريب يعد في الماضي المصدرَ الثاني للمفردات التي تحتاج إليها العربية، أما اليوم، فيبدو أنه غدا المصدرَ الأول لسدِّ حاجة العربية إلى المفردات"
"ولم يكن ما أدخلته (العرب) من هذه الألفاظ الأجنبية قليلًا؛ لأنها عرَّبت منه الكثير قبل الإسلام، حتى رأيناه في لغة الشعر الجاهلي وقرأناه في سور القرآن...، ثم عربت منه الكثير بعد الإسلام"
وقد ذهب مؤلفو الكتب في المعرب والدخيل إلى فارسية أكثر تلك المعربات وطبيعة تلك الألفاظ الأجنبية أنها في أغلب حالاتها "تعبِّر عن أمور غير مألوفة في شبه الجزيرة، من أزهار وطيور وخمور وأدوات منزلية، وغير ذلك من كلمات تتطلبها مظاهرُ الحضارة والمدنيَّة لدى الأمم العريقة...، على أنهم في القليل من الأحيان اقتبسوا أيضًا بعض تلك الألفاظ الأجنبية التي لها نظائر في لغتهم في المعنى والدلالة"
هناك مَن ذهب من اللُّغويين إلى عدم اشتراط التغيير والإلحاق في التعريب، وهذا مذهب سيبويه وجمهور أهل اللغة؛ فقد قال سيبويه:
"هذا باب ما أعرب من الأعجمية: اعلَمشْ أنهم مما يغيرون من الحروف الأعجمية ما ليس من حروفهم ألبتة، فربما ألحقوه ببناء كلامهم، وربما لم يلحقوه"
وفي نص سيبويه هذا إشارةٌ إلى أن التغيير الذي يحدُث عند تعريب كلمة أجنبية، هو تغيير الحروف التي لا توجد في العربية بحروف عربية؛ "ففي الجاهلية عُرِّب عن الفارسية مثل الدولاب، والدسكرة، والكعك، والسميد، والجُلُنَّار، وعن الهندية أو السنسكريتية مثل الفلفل، والجاموس، والشطرنج، والصندل، وعن اليونانية مثل القبان، والقنطار، والترياق"
وهنا نلاحظ أن بعض الكلمات التي عُرِّبت في الجاهلية قد خضعت للصيغ الصَّرفية العربية، وبعضها لم يخضع لها.
والتعريب عند محمد الأنطاكي هو "اقتباس كلمة من لسان أعجمي، وإدخالها في اللسان العربيوذلك بترك الاسم المعرَّب على حاله في لغته إذا كانت حروفه حروفهم، سواء أكان بناءً من أبنية كلامهم أم لم يكن، أو بإلحاقه بأبنيتِهم، أو بتغيير الحرف الذي ليس من حروفهم[
نستنتج - من خلال ما سبق - أن التغييرَ الذي يجب إحداثه على الكلمة المعربة هو تغيير حروف اللفظة إن كانت فيه حروف غير عربية

وهناك مَن اشترط الاستعمال فقط في التعريب، فقد ذهب جمهور أهل اللغة قديمًا إلى أنه لا يشترط في التعريب سوى الاستعمال، فمتى استعملت العربُ الكلمة الأعجمية صارت معربة، سواء ألحقوها بأوزان كلماتهم أم لم يلحقوها، وإلى هذا ذهب الشهابُ الخفاجي؛ حيث يقول: "واعلم أن التعريب نقل اللفظ من الأعجمية إلى العربية"
وقد ذهب الجواليقي هذا المذهبَ أيضًا، وهذا واضح في كلام محقق كتابه "المعرب"؛ حيث يقول: "إن كتاب المعرب للجواليقي من بين كتب العربية النادرة عن الألفاظ التي دخلت العربية وكثر استعمالها، ودخل عليها بعض التحريف، وبعضها الآخر بقي على حاله"
ويؤكد الجواليقي شرط سيبويه وأتباعِه حول تغيير الحروف غير العربية بحروف عربية قائلًا: "اعلم أنهم كثيرًا ما يجترئون على تغيير الأسماء الأعجمية إذا استعملوها، فيُبدِلون الحروف التي ليست من حروفهم إلى أقربها مخرجًا"[لكنه - أي الجواليقي - جعل المعرب مقتصرًا على ما وَرَد في القرآن الكريم والحديث النبوي وكلام العرب المحتجِّ بهم، وما جاء بعد التابعين عدَّه دخيلًا
أما الجوهري وغيره، فالتعريب عندهم هو "أن تتكلم العربُ بالكلمة الأعجمية على نهجها وأسلوبها" أي: إنَّ التعريب هو "نقل الكلمة مع عرفها الأجنبي، ومحاولة إنزالها على صيغِ العربية وأوزانها، ويقتضي هذا الإنزال بعضَ الإبدال والتغيير في بنية الكلمة"
والفرق بين سيبويه والجوهري أن "الكلمات عند سيبويه ومَن ذهب مذهبه على رتبتين: عربية أصيلة...، ومعربة دخيلة، وهي عند الجوهري والقائلين بمقالته على رتب ثلاث: عربية أصيلة...، ومعربة، وهو ما نطقت به العرب من الكلام الأعجمي على نهجها وأسلوبها وألحقته بأبنيتها...، وأعجمية وردت في كلام العرب، وهو ما نطقت به العرب من غير أن تلحق بأبنيتها"
والدخيل هو "ما دخل اللغة العربية من مفردات أجنبية، سواء في ذلك ما استعملته العرب الفصحاء في جاهليتهم وإسلامهم، ومَن استعمله من جاء بعدهم من المولَّدين" فالدخيل حسب هذا التعريف أعم من المعرَّب عند الجواليقي؛ إذ يشمل ما دخل اللغةَ العربية في عصر الاحتجاج وبعده.
"ويصنف الدخيل في باب تداخل اللغات أو تحت عنوان الاقتراض؛ أي: إن العرب عبَّرت عن أمور غير مألوفة عندهم وفقًا لقانون التأثير والتأثر، "أما فيما يتعلق بالفصاحة، فإن استعمال الكلمات الدخيلة لا يضر بالبلاغة"
لقد جعل أهل اللغة قديمًا المعرَّب قسمًا من أقسام الدخيل؛ فقد قسموا الدخيل إلى ثلاثة أقسام:
1- معرب: وهو ما نطق به الجاهليون ومَن يحتج بلغتهم من الكلام الأعجمي.
2- مولَّد: وهو ما عرَّبه المولَّدون الذين لا يحتج بألفاظهم، والمولَّدُ في العربية أكثر بكثير من المعرب.
3- محدَث أو عامي: ما عرَّبه المحدَثون ممن جاء بعد المولدين إلى عصرنا هذا
وينقسم الدخيل المعرب بدوره إلى ما له نظير في اللغة العربية، وما ليس له نظير.
وما ليس له نظير نوعان:
ما كثر استعماله، وهو الذي استطاع أن يتغلَّب على مرادفه العربي شيئًا فشيئًا، حتى قذف به في زوايا النسيان.
وما قل استعماله، وقد ضعف عن منافسة مرادفه العربي
وذهب آخرون إلى أن الكلمة الأعجمية تكون في أصلها دخيلةً، ثم تعرَّب بتغيير أصواتها وإلحاقها بوزن من الأوزان العربية، فالمعرب بهذا يختلف عن الدخيل بكونه معربًا عن اللغة الأصلية له، وذلك بالتغيير حرفيًّا وصوتيًّا
ويُعرَف المعرَّب من الدخيل من خلال حروف الكلمة؛ فليس في أصول أبنية العرب اسم فيه نون بعد راء، فإذا مر بك فاعلم أن ذلك الاسم معرَّب، وليس في كلامهم زاي بعد دال إلا دخيلًا؛ فكلمة المُهَندِز دخيلة، ويمكن تعريبها بإبدال الزاي سينًا، فتصير المُهَنْدِس، ولم يحكِ أحدٌ من الثقات كلمة عربية مبنية من باء وسين وتاء، فإذا جاء ذلك في كلمة فهي دخيل
المقدمة
الحمد لله الذي أوهبني ورزقني نعمة اللسان لكي أعبر عن وجهة نظري ، والحمد لله الذي رزقني بنعمة العقل والتفكير لكي افكر في جميع الموضوعات ، واتمكن من استيعابها وأقوم بكتابتها .
والحمد لله الذي مكني من كتابة هذا البحث اليوم الذي تمنيت كثيراً ان اتناوله ، وعلى الرغم من تشعب هذا الموضوع وبالتالي لا يوجد ما يعبر عنه كما ينبغي ، إلا أني استعنت بالله تعالى حتى اتمكن من التعبير على ما يوجد بداخلي وفي عقلي ، وأتمنى ان ينال البحث إعجابكم ورضاكم .
أسباب اختيار البحث :فتعد ظاهرة المعرب والدخيل من الظواهر اللغوية التي أولاها العلماء عناية كبيرة - قديماً وحديثاً - حيث أشار إليها القدماء في مؤلفاتهم، وتناولوها بالبحث والدراسة، كالخليل بن أحمد الفراهيدي (ت175هـ) في كتابه "العين"، وسيبويه (ت 180 هـ) في كتابه، وابن دريد (ت 321 هـ) في كتابه "جمهرة اللغة"، وأبي حاتم الرازي (ت 322 هـ) في كتابه "الزينة في الكلمات الإسلامية العربية"، غير أن هذه الدراسات لم تخرج عن كونها فصولاً وأبواباً متناثرة في بطون الكتب، حتى إذا كان القرن السادس الهجري ألف أبو منصور الجواليقي (ت 540 هـ) كتابه "المعرب من الكلام الأعجمي"، وهو أول كتاب – فيما نعلم- غني بالبحث في جمع الألفاظ المعربة بين دفتيه، وبعد ذلك توالت المؤلفات في المعرب والدخيل، منها ما تناول الألفاظ المعربة بصفة عامة، ومنها ما اختص بما وقع منها في القرآن الكريم. ومما حدابي إلى خوض غمار هذه الدراسة هو حبي للظواهر اللغوية.
اشكالية البحث : تعد قضية وجود المعرب في القرآن واحدة من الإشكاليات المطروحة في تراثنا الإسلامي, إذ خلفت تراثاً هائلاً من أقوال اللغويين والأصوليين وكانت إسهاماتهم متميزة في دراسة قضية المعرب في القرآن من جوانبها المختلفة
هدف البحث : معرفة مفردة المعرب والدخيل لغة واصطلاحا ودخولها الى لغتنا العربية السامية و توصلت في هذا البحث إلى أن هنالك مبالغات في كتابات العلماء في إلحاق ألفاظ عربية أصيلة بمصادر سامية أخرى أو غيرها, وأن معرفة لغويينا باللغات واللهجات القديمة (السامية) كانت ناقصة محدودة ما سبب نقصاً في المعجمات العربية , فما كان معروفاً من هذه اللغات اقتصر على العبرانية والآرامية والحبشية ,ولم تكن تلك اللغات الأقدم منها كالبابلية والآشورية ( الأكيدة ) والكنعانية , قد كشفت عنها النقاب عما خلفته من مدونات لغوية إلا في القرن التاسع عشر بعد معرفة قراءة الخطوط القديمة .واحتوى البحث على نقض كثير من الآراء والأقوال التي جاء بها اللغويون والأصوليون .
منهج البحث : أتبعت في هذا البحث المنهج الوصفي التحليلي
حدود البحث : المعرب والدخيل في الكتب القديمة والحديثة واشهر المؤلفات التي كتبت في هذا الموضوع واشكالية وقوع المعرب في القرآن الكريم من عدمه وأخذ رأي المؤيدين لوجود المعرب في كتاب الله القرآن الكريم واراء المعترضين ودراسة منهج الجواليقي كمثال على المعرب والدخيل
المبحث الأول
المطلب الاول
المعرب لغة:
اسم مفعول من الفعل عرب عرب تعريبا، يقال: "عبث له الكلام تعريب وأعرب إعرابا، إذا بينته له حتى لا يكون فيه حضرمة» (1)، فكأنه تخليص للكلام وتهذيب له من الإبهام الحاصل فيه، ويمكن أن يفهم هذا المعنى من صيغة الفعل (غرب) التي من معانيها الجعل على صفة، والدلالة على الصيرورة، كقولنا: حجر الطين، أي: صار حجرة، أو شبهه في الجمود(2)، فقولنا: عبث الكلمة الأعجمية، أي: جعلها على صفة الكلمة العربية. وأعرب الأعجمي إعرابه، وتعب تعبأ، واستعرب استعرابه، كل ذلك للأغم الذي لا يفصح شيئا، وفي منطقه غجمة...، والعرب المستعربة: قوم من العجم دخلوا في العرب فتكلموا بلسانهم، وحكوا هيئاتهم وليسوا صرحاء فيهم، فصاروا عربة، وليس أصلهم كذلك (3) وأعرب عنه لسائله وعب، أي أبان وأفصح، وعرب عنه: تكلم بحته، وأفصح بها ولم يلق أحدة، قال الكميت:
وجدنا لكم في آل حم، آية تأولها ما تقي معرب 
أي: مفص بالحق لا يتوقاهم، ويروى (معرب) بالتخفيف، وتعريب الاسم الأعجمي: أن تتفوه به العرب على منهاجها؛ تقول: عربته العرب، وأعربته أيضا... أي صار عربية (5). وذكر الفيروز آبادي (ت817ه) أن التعريب هو "تهذيب المنطق من اللحن (6). يستشف مما تقدم أن المغرب هو ما صير عربية وليس أصله كذلك، وهذا يقتضي وجود معب وتعريب، كما يقتضي أن العرب تصرفت فيه بما يوافق ويناسب أبينتها وأوزانها حتى يصبح مطاوعة للبناء العربي.
المعرب اصطلاحاً:
فالمعرب كما جاء عند السيوطي في كتابه "المزهر" هو: "ما استعمله العرب من الألفاظ الموضوعة إمعان في غير لغتها، قال الجوهري في الصحاح: تعريب الاسم الأعجمي أن تتفوه به العرب على منهاجها، نقول: عبثه العرب وأعربته أيضا"(1).
وايضا المعرب في الاصطلاح: "هو اللفظ الأجنبي الذي غيره العرب بالنقص أو الزيادة أو القلب أو الإبدال "(2)؛ وجاء في المزهر: "هو ما استعمله العرب من الألفاظ الموضوعة إمعان في غير الغاتها"(3). ومما سبق يمكن القول بأن اللفظة المعربة هي الكلمة الأعجمية التي قبلت مقاييس كلام
العرب. بناء عليه، فالمعرب عند الجوهري - كما نلاحظ في التعريف الذي نقله عنه السيوطي في كتابه المزهر - هو ما نطقت به العرب في العصر الجاهلي، أو عصر الاحتجاج، وبهذا يكون هو أول من حدد المصطلح بشكل مختصر.
الدخيل لغة:
لا تخرج معاني الأصل اللغوي (د. خ. ل) في جميع تصريفاته عن كون شيء ما غريبة في شيء آخر، وأجنبية عنه، ليس له من السمات ما لمدخوله، قال الخليل (ت175ه): "الدخل: مميت في الحسب... والخل: ما دخل ضيعة الإنسان من المنالة. وخل فلان فهو مدخول، ودخل حسبه أو عقله... وفيه دخل من الهزال... والخلة في اللون: تخليط ألوان في لون
قال الأصمعي : والدخل من الكلأ: ما دخل في أغصان الشجر، ومنعه التفافة عن أن يرعى، وألال: العصفور الصغير(5)لأنه يعوذ بكل ثقب ضيق من الجوارح، والخل: ما داخل الإنسان من فسا في عقل أو جسم والخيل هو من داخلك في أمورك، ويقال: بنو فلان في بني فلان دخيك، أي: إنهم ينتسبون معهم وليسوا منهم وكلمة دخيل: أدخلت في كلام العرب وليست منه ويرد كثيرا على لسان المصنفين قولهم: إن هذا الفرع دخيل في الباب، أي إنه لا يشتمل عليه الباب، ولم يعقد له أصلا، وإنما ذكر استطراده ومناسبة (يتضح مما تقدم أن الخيل في الشيء، هو الغريب فيه، والأجنبي عنه وليس منه، بل أضيف إليه من غيره، فيكون معنى قول اللغويين: إن هذا اللفظ دخيل في اللغة؛ هو أنه ليس من اللغة، بل ألحق بها، وأدخل فيها من لغة أخرى لسبب من الأسباب (6)
الدخيل اصطلاحا:
فهو "اللفظ الأجنبي الذي دخل العربية دون تغيير كالأكسجين والتلفون"(1)، فالدخيل يمكن أن يفهم على أنه مجموعة من الألفاظ ومسميات الأسماء، لا علاقة لها بجذور العربية، فهي تنطق كما هي في لغتها الأصل.
المطلب الثاني
الفرق بين المعرب والدخيل
قبلَ الخوضِ في الحديثِ عن قضيةِ المعرَّب والدخيلِ عند القدماء والمحدثين، لا بد من الوقوف عند التعريف اللغوي للمصطلحينِ معًا.
♦ فالمُعَرَّب كما جاء عند السيوطي في كتابه "المزهر" هو: "ما استعمله العرب من الألفاظ الموضوعة لِمَعَانٍ في غير لغتها، قال الجوهري في الصَّحاح: تعريبُ الاسم الأعجمي أن تتفوَّهَ به العربُ على منهاجها، نقول: عرَّبَتْه العربُ وأَعْرَبَتْه أيضًا"(1).
وبناءً عليه، فالمُعَرَّب عند الجوهري - كما نلاحظ في التعريف الذي نقله عنه السيوطي في كتابه المزهر - هو ما نطقت به العربُ في العصر الجاهلي، أو عصر الاحتجاج، وبهذا يكون هو أول من حدد المصطلح بشكل مختصر.
♦ الدخيل في اللغة: عرفه الزمخشري (538 هـ) في "أساس البلاغة" قائلًا: "هو دخيل في بني فلان، إذا انتسب معهم وليس منهم"(2).
ونستشفُّ من تعريفه هذا أن الدخيلَ عنده هو الذي ينتسب إلى مجموعة ليس منها.
المُعَرَّب والدخيل في الاصطلاح بين القدامى والمحدثين:
إذا عدنا إلى تتبُّع لفظةِ المُعَرَّب في كتبِ النحاة واللغويين القدامى، نجد أن "سيبويه" قد سمَّى المُعَرَّب إعرابًا، تحت عنوان: "هذا ما أعرب من الأعجمية".
وإذا تصفَّحنا مقدمة الجواليقي في كتابه "المُعَرَّب من الكلام الأعجمي على حروف المعجم"، التي تعد مفتاحًا لمعرفة منهجه في تصنيف معجمه، نجده يقول عن المصطلحين في مقدمة كتابه: "هذا كتاب نذكر فيه ما تكلَّمت به العربُ من الكلام الأعجمي ونطق بها القرآنُ المجيدُ، وورد في أخبار الرسول صلى الله عليه وسلم، والصحابة والتابعين رضوان الله عليهم جميعًا، وذكرته العرب في أشعارها وأخبارها؛ ليُعرَف الدخيلُ من الصريحِ"
ويلاحظ على "الجواليقي" في كتابه الذي يعدُّ أولَ وأقدمَ مصنفٍ في هذا الموضوع، ما يأتي:
أولًا: يستعمل مصطلح "الأعجمي" للدلالة على ما يعرف الآن بالمعرَّب.
وثانيًا: لم يفرِّق بين المُعَرَّب والدخيل، ثم إنه لم يذكر مصطلحَ الدخيل إلا في أربعة مواضع من كتابه هذا، مما يجعلنا نقولُ بأن الرجلَ كان يستعملُ المصطلحين بمدلول واحد، ومن ثم فالدخيل والكلام الأعجمي عند "الجواليقي" يقابِل الكلامَ العربي الفصيح.
ولم يفرِّق "شهاب الدين الخفاجي (1029هـ)" أيضًا في كتابه "شفاء الغليل فيما في كلام العرب من الدخيل" بين المصطلحين، وإنما اكتفى بالقول: "إن التعريبَ نقلُ اللفظ من العجمية إلى العربية"(1)، ويبدو من تعريفه هذا أنه لا يشترط في المُعَرَّب سوى الاستعمال، فمتى استعملتِ العربُ الكلمةَ الأعجميةَ، صارت معربةً.
ومن هنا أمكننا أن نقول بأن القدامى لم يفرِّقوا بين الدخيل والأعجمي، بل استعملوا كلَّ واحدٍ منهما مرادفًا للآخر، وانطلقوا من مفهومِ العُجمة المتناقض مع الفصاحة والبيان، ليتراجع بعد ذلك هذا المصطلح ويظهر بدلًا منه مصطلح "المُعَرَّب"، ومما يُلحظ أيضًا أن مصطلح المُعَرَّب قد تفوَّق في الاستعمال على مصطلح الدخيل عند القدامى.
أما المحدَثون، فلم يخرجوا عن معنى مصطلح المُعَرَّب الذي جاء به القدامى، لكنهم رسموا حدًّا فاصلًا بينه وبين الدخيل، وهو ما لم يُشِرْ إليه القدامى؛ لأنهم استعملوهما بالمعنى نفسه.
ولم يسلم المحدَثون من الاختلاف حول التفريق بينهما؛ لاختلافهم في المعيار الذي استعملوه في تحديدهما والتمييز بينهما؛ فمنهم من ذهبَ إلى أن معيارَ التفرقة بين هذه المصطلحات ينبغي أن يكون زمنيًّا؛ استنادًا إلى مفهوم الاحتجاجِ عند اللغويين العرب الذين حدَّدوا إطارًا زمنيًّا للكلام الذي يصحُّ الاحتجاجُ به، وهو ما سُمِّي عصرَ الاحتجاج.
وعلى هذا الأساسِ يُعرَّفُ المُعَرَّبُ عندهم بأنه لفظ استعاره العربُ الخُلَّصُ في عصر الاحتجاج من أمة أخرى، واستعملوه في لسانهم، أما الدخيل، فهو لفظ أخذته العربية في مرحلة متأخرة من عصر الاحتجاج، وتأتي الكلمة الدخيلة كما هي، أو بتحريف طفيف في النطق
واللغويون الذين اعتمدوا هذا المعيار، جعلوا الدخيل مصطلحًا عامًّا، فيشمل كلَّ ما نُقل إلى لغة العرب، سواء جرَت عليه أحكامُ التعريب أم لا، وسواء أكان في عصر الاحتجاج أم بعده، بينما خصَّصُوا المُعَرَّبَ فيما دخل في عصر الاحتجاج، فيكون كلُّ معرَّبٍ دخيلًا، وليس العكس.
ونجد الدكتور "علي عبدالواحد وافي" في كتابه "فقه اللغة" يعرِّف الدخيل بأنه: "ما دخل اللغةَ العربية من مفردات أجنبية، سواء في ذلك ما استعمله العرب الفصحاء في جاهليتهم وإسلامهم، وما استعمله من جاء بعدهم من المولَّدين"(1)، وقد جعل الدكتور أيضًا الدخيلَ أنواعًا، فذكر الدخيلَ المنقولَ من أصل عربي، والدخيل المنحرف عن أصل عربي، والدخيل المخترع.
في حين عمد فريقٌ آخر إلى الاعتداد بالبنية اللغوية معيارًا للتفرقة بين المُعَرَّب والدخيل، كما في المعجم الوسيط، فقالوا:
المُعَرَّب: هو اللفظُ الأجنبي الذي غَيَّرَهُ العرب بالنَّقْصِ، أو الزيادةِ، أو القلبِ.
الدخيل: هو اللفظُ الأجنبي الذي دخلَ العربية دون تغيير.
واختارَ باحثون آخرون تعميمَ مصطلح الدخيل، فقسَّموه إلى: معرب، ومولَّد، وعامي أو محدَث، دون الالتفات إلى أي معيارٍ مستمدٍّ من الزمان أو البناء، أما المُعَرَّب، فهو الدخيل الذي جرى على الأبنية العربية
المبحث الثاني
المطلب الاول
ضوابط معرفة المعرب والدخيل عند العرب
اولا القدماء: وإذ لم ير الأقدمون ضرورة التمييز بين المعرب والدخيل، فإن معظم المحدثين فرقوا بين هذين المصطلحين، لأن عدم التفريق بينهما يضع كلمتين مثل: "جغرافيا" المعربة وكمبيوتر" التخلية في نفس الصعيد اللغوي (1).
ثانيا: المحدثين: تفاديا للخلط الذي قد وقع في التفرقة بين المعرب والتخيل حدد العلماء شروطا تعرف بها عجمة الكلمة أهمها:
1 ـ خروجها عن الأوزان العربية، نحو "إبرسيم"، "آمين" على وزن "إفعيل"، "فأعيل" وهذان الوزنان غبر موجودين في أوزان الأسماء العربية
2 ـ اجتماع حرفين لا يجتمعان في كلمة عربية، لذلك حكم اللغويون على "الطاجين" و"صولجان" و"منجنيق" بأنها أعجمية، لاشتمال الكلمة الأولى على الطاء والجيم، والثانية على الصاد والجيم، والثالثة على القاف والجيم، وكل هذا لا نجده في الكلمات العربية الأصلية
3 ـ خلو الكلمات الرباعية والخماسية من حروف الذلاقة (ب، ر، ف، ل، م، ن) ويستثنى من ذلك كلمة "عسجد" أي الذهب إذ نص العلماء على عربيتها. والملاحظ من هذه الشروط أن علماء اللغة كانوا حريصين في تتبع الألفاظ الوافدة إلى اللغة العربية، حتى لا يدخل إليها لفظ أجنبي وعد بعد مضي زمن من استعماله عربيا أصيلا، وكان المعرب القديم مدركا قضية التعريب إدراكا واسعا، فقد وجد نفسه بإزاء أدوات جديدة أعجمية فماذا يصنع؟ لقد وجد أن العربية ذات أبنية كثيرة... فضم هذا الجديد الوافد إلى أبنية العربية إن وجده على أوزان تلك الأبنية، فإن لم يجده كذلك عمد إلى شيء من التغيير قليل أو كثير ليأتي الجديد الوافد موافقا فيضه إلى العربية؛ هذا من ناحية الصيغ، ثم نظر إلى الأصوات فاتبع الطريقة نفسها (2) صحيح أن العرب لم يستطيعوا إبعاد هذه الألفاظ ولا حصرها وإضعاف استعمالها لأنها كانت ضرورة حتمية حضارية، لكنهم استطاعوا إخضاعها لرقابتهم الدقيقة. ووجود الدخيل في لغتنا العربية هو صورة لظاهرة عامة في كل اللغات فهي تستورده بحسب حاجاتها، وربما دخلها رغما عنها، فهو نتيجة الاحتكاك والتبادل الحضاري واللغوي، ويبدأ ذلك بتحويل الاسم العلم إلى اسم عام للدلالة، وأشهر أمثلة ذلك كلمة "أطلس"
للكتاب الجغرافي الذي يضم مجموعة من الخرائط ... والأصل فيه اسم إله روماني قديم ، وعندما طبع "مركاتو" أول مجموعة من الخرائط الجغرافية أطلق عليها اسم "أطلس" وكان ذلك سنة 1595م، ثم شاع استعمالها من بعد في معظم لغات العالم... وفي اللغة الحديثة تستعمل لفظة "وات" أو "واط" اسما لوحدة قياس كهربائية، وهي في الأصل اسم عالم الطبيعيات الإسكتلندي "جيمس وات" (1819 -1736م)... والملاحظة نفسها تنطبق على كلمة "فولت" التي استعملت في الكهرباء أيضا، اسم وحدة لقياس ضغط التيار الكهربائي، وهو في الأصل اسم عالم الطبيعيات الإيطالي "فولتا" (1827 -1745م)(1). والملاحظ من هذه الأمثلة أن كثيرا من الألفاظ التي نتداولها اليوم وبشكل كبير هي في أصلها أسماء أعلام تحولت وانتقلت عبر الحضارات فوصلت إلينا للدلالة على مسميات أخرى. ومما يزيد من صعوبة البحث في أمر المعرب والتخيل في اللغة العربية بالخصوص، هو أنها قديمة أقدم بكثير جدا مما يزعم علماء اللغة والأدب، لذلك صعب تحديد الألفاظ المشتركة بين العربية وغيرها من لغات العائلة السامية، كالعبرية، والآرامية، والبابلية، وغيرها (2)
المطلب الثاني
المؤيدون والمعارضون بوجود المعرب في القران الكريم
بعد أن عرضت آراء العلماء القدماء والمحدثين كل حسب طريقته اتضح لي انّ القرآن الكريم احتوى على ألفاظ أعجمية وهذا أمر طبيعي لا خوف منه بل هو وسيلة من وس‍ائل النمو اللغوي لأنّ القرآن الكريم نزل بلس‍ان العرب ولس‍انهم نطق واس‍تعمل المفردات الأعجمية قبل نزول القرآن الكريم وبعده ولايزال. وما دام القرآن الكريم محتويا على علوم الأولين والآخرين وللناس كافة فلا عجب من احتوائه على مفردات أعجمية قد تعامل بها العرب مع غيرهم من الأمم لتيس‍ير أمورهم المادية والفكرية، والأرجح، ما ذهب إليه الصحابة والتابعين من أنّ القرآن الكريم فيه مفردات أعجمية، ولو تدبرنا دلالات الألفاظ الأعجمية في المواقع التي اس‍تخدمت فيها لوجدناها قد أضافت معان عميقة ودقيقة وفصاحة راقية لو اجتمع فصح‍اء العالم وأرادوا اس‍تبدالها بألفاظ أخرى بمعانيها التي وردت لعجزوا عن ذلك.
هذا الإحتواء شجّع الكتّاب والأدباء والش‍عراء على اس‍تخدام الألفاظ الأعجمية كلما اقتضت الحاجة إليها بعفوية ودون جهد لأن الس‍احة اللس‍انية قد اتسعت والألفظ الأعجمية قد ازدادت وأصبح تداولها مألوفا لاغرابة فيه لأسباب منها:
1- العرب قبل الإسلام عرفوا شيئا من معارف العلوم الطبيعية وتعمق هذا الإتجاه عند العرب الذين نزحوا عن شبه الجزيرة العربية وأقاموا حضارات راقية في وادي الرافدين ووادي النيل وبلاد الشام وعنوا عناية بالغة بالمعارف الطبيعية والرياضية والطبية، ونجد أنّ هذه الحضارات قد تفاعلت مع الحضارات اليونانية والفارسية وأثرت فيها وتأثرت بهما تأترا كبيرا من خلال ما تناقلا المعارف والعلوم بينهم.
2- إنّ الجدل الديني والمناظرات التي بدأ العرب المسلمون يدخلون فيها مع بعضهم من جهة ومع أصحاب الديانات الأخرى من جهة ثانية جعلتهم بحاجة ماسة إلى معرفة ما عند الأمم الأخرى مما يفيدهم في رفد الثقافة العربية الإسلامية.
3- اتس‍اع الدولة الإسلامية وانشغال العرب المسلمين بالفتوحات هيأ للأعاجم الذين دخلوا في دين الإسلام موقعا متميزا في بناء الفكر وتطويره واتساعه وازدهاره لأسباب قد تكون ذاتية لشعورهم بنقص أحسابهم وإحساسهم بأنهم دخلاء محاولين استكمال مهابتهم بغرس ما يثمر النفع للبلاد من جهة ولرغبتهم في نقل علومهم وما تميزت به حضاراتهم من نضج في كافة المستويات، السياسية والإقتصادية والإجتماعية والفكرية للتفاخر بها.
4- تشجيع ولاة أمر المسلمين العلماء على نقل وترجمة الكثير من المعارف كالكيمياء والطب والفلك والتاريخ والآداب والفلسفة والمنطق وغيرها من المعارف وأوفدوا الوفود إلى مختلف البلدان للبحث عن الكتب وجلبها للإفادة منها في دعم الحركة العلمية والثقافية، وبهذا العمل توسعت آفاق العلماء في المعرفة ووقفوا على الكثير من المعارف التي توصل إليها من سبقهم، كما أغنت اللغة العربية بالمصطلح العلمي والمعرب من الألفاظ وبهذا العمل امتزجت الثقافة المترجمة بالثقافة الأصلية ورفدتها بعناصر جديدة كان لها أثرها في تنوع الثقافة العامة والعلوم وغيرهما. وعند الوقوف على العصر العباسي نجده قد تميز بالإزدهار الثقافي الموصول بمراكز المدنيات القديمة كالبابلية والآشورية والسريانية والساسانية وهذا التمازج خلق بيئة متنوعة الإصول والثقافات، ووجدت كل هذه الثقافات مناخا مناسبا للنمو والتطور في كافة مناحي الحياة.
يتضح مما تقدم أنّ المائة الثانية للهجرة تميزت بحركة انفجارية في تدوين العلوم ووضع الأسس المتينة لها واستمرت هذه الحركة التطورية سواء في اقتباس الألفاظ الأعجمية أو الإضافات أونقل الأصطلاحات العلمية كما هي حتى العصور المتأخرة وإلى يومنا هذا.
هذا النهج ليس وليد مرحلة بعينها وإنما تنامى مع نمو الحياة بمختلف مرافقها وسيبقى مستقبلا، وهذا أمر طبيعي لا خوف منه بل هو وسيلة من وسائل النمو اللغوي فما أخذ من اللغات ليس خطرا محدقا بلغتنا لأنه جاء نتيجة طبيعية للتمازج مع اللغات الأخرى دون قصد أو اقحام، إنّما الخطر يكمن حقيقة اذا أبقينا أنفسنا متقوقعين داخل الأطر اللغوية التي تفتقر أحياناً الى بعض من الألفاظ الأجنبية التي تحمل في طياتها نوعاً من الفائدة، ولا سيّما نحن في وقتنا الحاضر نلحظ تطوراً ملموساً في مناحي حياتنا المختلفة سواء أكانت سياسية أم ثقافية أم تقنية، وهذا التقوقع ربما يؤدي بنا الى الجمود العلمي، وعدم القدرة على مواصلة التقدم السريع الذي يحصل في ميادين العلم، إذا أخذنا بنظر الاعتبار أنّنا مستوردون للبرامج العلمية كافة والتي تحمل ألفاظا لا عهد لنا بها، ولم تحتوها معاجمنا اللغوية.
إذن ما العمل ؟ أنبقي أنفسنا بعيدين عن مواكبة التطور العلمي ولا نستعمل الكلمات الأعجمية المخصصة لهذا العلم أو ذاك وننتظر الى أن تجتمع مجامعنا العلمية، وتقرر اللفظة العربية البديلة عن الكلمة الأعجمية بدلالتها العلمية، أم نقول للطب تريث في استخدام هذه اللفظة حتى يقررها المجمع العلمي الفلاني، وحتى لو فعلنا هذا، فإنّنا نجد أنّ اللفظة الأعجمية قد سبقتنا إلى ألسن الناس وشاع استعمالها وأصبحت مألوفة في نطقها وتداولها والسبب يعود الى كثرة المصطلحات وحاجة القياس إليها أو لنقل إلى التباطىء أحيانا في متابعة ما يحصل من تطور في المجالات كافة لتعريب واخضاع الألفاظ الأعجمية سواء العلمية منها أو الأنسانية وتأطيرها بالاطار اللغوي العربي. وعلام هذا كله ؟ ألم يستخدم العرب الأوائل ألفاظاً أجنبية ؟ ألم يكن بإمكانهم ترجمة هذه الكلمات الأعجمية أو وضع كلمات عربية لها بالاشتقاق أو النحت أو غير ذلك، ولكنّا نجدهم قد استعملوها كما هي، وحسناً فعلوا، تسهيلاً لنقل العلوم، واشتراك العلماء، وتوافق الألفاظ والمصطلحات بين الشعوب والدول. أمن الضروري أو الحكمة أن نحاول تعريب اللفظة الأعجمية على الرغم من سهولته‍ا كتاب‍ة ونط‍قاً واستعمالاً، كما في كلمة (مكروب) و(إستبرق)، مثلا، ونحن نعلم وندرك أن دلالتها في لفظها المقتبس أجمل وأوضح عند استعمالها.
الانغلاق إذن في هذا المنحى، لا مبرر له، لأنّ العلم في تقدم مطرد، هذا إذا كنا فعلاً حريصين على تنمية حقول لغتنا المعرفية لنا ولأجيالنا. وعلينا ألا نقيد أنفسنا ونجعلها محصورة ونصرخ أنّ هذه اللفظة أو تلك أعجمية دخلت في طيات كتبنا وأماتت لغتنا.
ألم يسمع هؤلاء قول الله عز وجل: " إنّا نحن نزلنا الذكر وإنّا له لحافظون "(1)، أم أنّهم تناسوا أنّ الله سبحانه قال: " إنّا جعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ".
ولما كان العلم مشاعاً في ميوله، إنسانياً في منهجه، غير مقتصر على فئة معينة دون أخرى، فمن الضروري والواجب أن نوحد جهودنا مع جهود الآخرين من أجل التوصل الى ألفاظ ومصطلحات علمية أو انسانية، مشتركة ومعروفة، تحمل دلالات واضحة لدى الجميع، وبهذا العمل نكون قد قدمنا خدمة عظيمة لأجيالنا اللاحقة من أجل ايصالهم الى موقع متقدم يفتخرون به أمام الأمم الأخرى ليحصلوا على مبتغاهم دون جهد وبوقت قليل، لكن على الرغم من هذا اليسر نجد ونلحظ محاولات هنا وهناك على مستوى الخارطة الأقليمية للوطن العربي في تعريب المصطلحات العلمية إلا أنّ هذه المحاولات لم تحرز تقدما وظلت محصورة في إطار ذلك الاقليم لا لعجز القائمين بالتعريب عن إمكانية ايجاد الكلمات البديلة، ولكن لعدم امكانية ظهور هذه المصطلحات العلمية المعرّبة الى حيّز العمل قبل شيوع اللفظة الأعجمية. لذا فانّ الوقوف ضد اقتباس اللفظة الأعجمية النافعة والهادفة الى لغتنا دليل انغلاق على العصر ومنجزاته ومضيعة للجهد، لكن هذه الدعوة الخالصة، يجب ألا تجعلنا نتمادى في اقتباس الألفاظ الأجنبية غير الضرورية، وألا نطلق القول بالاستعارة من اللغات الأخرى وفتح الأبواب على مصاريعها لتدخل الألفاظ الأجنبية كيفما ومتى شاءت، ولكن لابدّ أن يراعى في ذلك شرط الحاجة الماسة والملحة، فالحاجة اذاً الشرط الأساسي للاقتباس، أمّا إدخال ألفاظ للتشدق بمعرفة لغة أجنبية فهذا أمر لاشكّ بأنّه يضعف اللغة ويؤدي الى ظاهرة مرضية مما يؤدي بالتالي الى سيطرة الألفاظ الأعجمية على اللغة الأصلية وقد يودي بها.
المطلب الثالث
من جمع بين وجود المعرب وعدمه
الجمع بين الرأيين السابقين: صاحب هذا الرأي هو أبو عبيد القاسم بن سلام الهروي، ومال إليه أبو منصور الجواليقي، وابن الجوزي، وآخرون. وأيد هذا الرأي كثير من المحدثين وفي الحقيقة رأي أبي عبيد يتفق مع أصحاب الرأي الثاني القائل بوقوع المعرب في القرآن الكريم، فهو يقرر أن هذه الأحرف أصولها أعجمية، لكنها عربت وحولت إلى العربية، وهذا ما نفاه مطلقا أصحاب الرأي الأول فالمسألة تدور بين المنع والجواز. الخلاصة: وجود المعرب في القرآن الكريم، لا ضير فيه مطلقا، ولا يقدح في عربية القرآن الكريم؛ إذ إن هذه الألفاظ القليلة لا تخرج القرآن الكريم عن عربيته. فهل تغير قطرة ماء ملحة عذوبة نهر جار؟!! بل إن الله (جلت حكمته) خاطب القوم بلغتهم التي يحدثونها ويفهمونها، سواء أكانت عربية أصالة أو تحويلا. كما أن هذا دليل اتساع آفاق هذه اللغة العظيمة؛ إذ استطاع أصحابها أن يطوعوا هذه الألفاظ التي تنحدر هي والعربية من أصل واحد، ويخضعوها لمنهاجهم، ويجروا عليها قوانین لغتهم، حتى صارت تجاري ألفاظها في الفصاحة والبلاغة، فضممت إلى مفرداتها، وغدت كأنها عربية صرفه وكان ذلك قبل نزول القرآن بسنوات طويلة. الألفاظ المعربة في القرآن الكريم بذل كثير من العلماء جهودا كبيرة في محاولة الوقوف على الألفاظ المعربة في القرآن الكريم، وعلى رأس هؤلاء السيوطي (ت 911ه) فقد جمع في كتابه " المهذب فيما وقع في القرآن من المعرب ’’ فوق مائة وعشرين كلمة، رتبها هجائيا من الألف إلى الياء، مبينا أصلها الأعجمي الذي ترجع إليه
المبحث الثالث
استدلالات بأن المعرب والدخيل لم يكن مسألة خلافية
ونستدل على ما قلناه إن المعرب والدخيل لم يكونا مسألة خلافية عند أهل المذاهب النحوية إذ قننوا هذا الخلاف بشرط الصرف والمنع من الصرف . كما أنّ الصرفيين اكتفوا بالبنية اللفظية كشرط في الفصيح وغير الفصيح . وعلى هذا فإن شرطي النحويين والصرفيين هو الذي دفع العرب إلى وصف اللفظ بالدخيل ثم محاولة استبداله في مرحلة لاحقة .
الرازي ومنهجه في الترتيب :-
المختار هو مختصر في علم اللغة جمعه من معجم الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية ، للإمام العلامة إسماعيل بن حمادي الجوهري ، وفيه فوائد جمة من تهذيب اللغة للأزهري ( ت370 هـ) من إصول اللغة الموثوق بها ، حيث إن كل موضع مكتوب فيه ( قلت ) فانه من الفوائد التي زادها المؤلف على الأصل .
ومنهج الرازي في مختاره يبنى على الأبواب وحسب حروف الهجاء . أي انه يبدأ بباب الألف ثم الباء ثم التاء وهكذا إلى باب الياء . وفي الباب الواحد يبدأ من الحرف الأول من الهجاء وحسب تسلسل بقية الحروف .
حيث إن الرازي يختلف في مؤلفة هذا مع بعض من سبقه من اللغويين وبعض من تأخر عنه في منهجية المادة اللغوية وعرضها .
فالخليل بن احمد ( ت175 هـ) يستعمل طريقة تقليب الكلمة حسب مخرجها الصوتي فيبدأ من الأعمق فالأقل عمقاً ، لذلك حينما رأى أنّ حرف العين أعمق من غيرها من الحروف في الجهاز الصوتي ابتدأ بها في معجمه وأطلق اسمها عليه .
إذ إن الجوهري اتبع في منهجيته الباب والفصل وحسب ترتيب الحروف الهجائية على الطريقة المعروفة في اللغة العربية .
وإذا تخطينا عصر الرازي إلى بدايات القرن الثامن الهجري وجدنا لسان العرب لابن منظور (ت 711هـ) والذي يتبع الباب والفصل ، إلا أنه يجعل للكلمة بابا وحرفها الأول فصلا . فانك أذا بحثت عن كلمة ( ابل ) في لسان العرب تجدها في باب اللام فصل الإلف . وفي هذه المنهجية بعض الصعوبة قياسا إلى منهجية الرازي .
وفي ما يلي عرض الكلمات الأعجمية التي وردت في مختار الصحاح .
البقّم :
صبغ معروف ويعني العندم (1) وأشار إليه الخليل إلى أنه دخيل ، لأنه ليس للعرب كلمة على بناء فُعّل ( 2) ونلحظ أن الخليل أخرجه من فضاء العربية ؛ لأنه ليس على أوزانها ، إذ إن الأعجمي لا يحظى بأوزان العربية . في حين وصفة ابن منظور بالدخيل المعرب . وقال : ميمون بن قيس (الأعشى):
بكاس وإبريق كان شرابها
إذا صُب في المسحاة خالط بقّما
وهو صبغ معروف ولم يأتِ اسم بوزن ( فُعَّل ) بالفتح والتشديد إلا هذا ( 5) وقد سأل الرازي عنه أعربي هو أم معرب (4) ويبدو أن الرازي لا يمتلك دليلا قاطعا حتى يتمكن من تحديد هوية هذه المفردة إلا أنه اتكأ على السؤال عنها .
البند :-
وهو (( العلم الكبير فارسي معرب وجمعة بنود)) (6) وكذلك عند الجوهري (7) وتابعة الجواليقي ( ت 540 هـ ) (35) وهو من الكلمات التي استعملها العرب منذ قديم الزمان ويدل على العلم الكبير والقائد والعسكر ومنه قول الشاعر :
وأصبحت في ارض بيند وقد أرى زماني بأرضٍ لا يقال لها بندُ
وهو من المفردات الحربية التي عُربت عن الفارسية . وتعني العلم الكبير والقائد, والعسكر وتعني عصابة الرأس بالفرنسية
إذ إن هذه المفردة تحمل دلالتين احدهما فارسية والأخرى فرنسية في حين أن الرازي لم يكن مطلعا على دلالتها الثانية مما أسهم في عدم الإشارة إليها .
البوس :
وهو (التقبيل فارسي معرب ) (8) وأشار إليه ابن منظور (9) في حين يرى الخفاجي بان (باس) أي بمعنى قبل هي عامية مولدة ومنه
قول الشاعر :-
وقال لما بستُ راحاته
من ذا ؟ فقلت : المعدم البائس (10)
ونفهم من قول الخفاجي بان هذه المفردة استحدثت بعد عصر الاحتجاج .
والفعل (باس) متأتِ من المصدر الفارسي (بوسيدن) التقبيل
الترهات :
وهي صغار الطرق غير الجادة والوحدة (ترهة) حيث إن هذه اللفظة فارسية معربة استعيرت في الباطل (1) إذ أشار الخليل بأنها بواطل الأمور . قال الشاعر :
وخطة ليت يقول التُرَّه 
الجاموس :-
فارسي معرب وهو واحد الجمع جواميس (45) وقد وصفه الخليل بالدخيل (3) ويرى الجواليقي أنه أعجمي وقد تكلمت به العرب ومنه قول رؤبة بن العجاج :
ليثٌ يدقُ الأسد الهموسا
والأقهبين الفيل والجاموسا 
وأشار الفيروز آبادي ( ت817هـ) أنه معرب كاوميش (5) وهو من أسماء الحيوانات المعربة الفارسية (( الثور أصلها كاوميش )) (6)
ويبدو أن الجاموس كان معروفا عند العرب إذ وردت إشارات تاريخية تشير إلى وجوده في البيئة العربية منذ السومريين والاكديين فقد عُثِر على رسوم قديمة في الكهوف والبيوت القديمة مستوحاة من الجاموس على الرغم مما ذهب إليه بعض الباحثين من إصول وحشية  وذلك ما قصده احد الباحثين بقوله إن اللفظ وافد من اللغة السنسكريتية وهو مركب من (كاو بقره) و(ميش) لاحقه للمذكر.
ومن الملاحظ أن الرازي لم يتفق مع من سبقه ومع من أعقبه في تحديد ظاهرة هذه المفردة وبالوقت نفسه أن الذين استعرضوها جعلوها عائمة ولم يرسوها على مرفأ أي لغة من اللغات التي اقترضت منها اللغة العربية سوى الرازي وأحد الباحثين المحدثين اتفق معه في رأي وخالفه في آخر .
الجَوْز :-
فارسي معرب ومفرده جَوْزة وجمعه جوزات (1) ونرى أنّ الخليل التزم الصمت حيال هذه المفردة إذ لم يجنح بها صوب ظاهرتي المعرب والدخيل . وإنما اكتفى بقوله : (( والجوز الذي يؤكل وواحد الجوز جوزة )) (2) وأشار أبو عبيدة إلى أنّ أصله (كَوْز) إلا أنه بعد التعريب آلَ إلى ( الجوز ) (3) ويرى الدكتور كاصد ياسر الزيدي أن هذا من تأثير التعريب في التغيير الصوتي (4) وهو من الألفاظ الفارسية المعربة التي تكلمت بها العرب قديما ، ومن امثالهم لا شقحنك شقح الجوز بالجندل والشقح الكسر (5) إذ إن السيوطي ذكر ألفاظا وهو في شك من أمرها هل هي عربية بالأصل أم معربة .
ويتضح انه لم يجد الدليل القاطع حتى يجزم بعربيتها أو أعجميتها ، ومنه قوله (( في الصحاح : الرانج الجوز الهندي ، وما أحسبه عربيا )) 
جهنم :
اسم من أسماء النار فارسي معرب (7) ويرى الجوهري أنّه فارسي معرب (8) وقد نقل الجواليقي رأيا عن يونس بن حبيب (ت182هـ) ((قال يونس بن حبيب وأكثر النحويين : جهنم اسم للنار التي يعذب بها الله في الآخرة . وهي أعجمية لا تجرى للتعريف والعجمة . وقيل إنّه عربي ولم يجرَ للتأنيث والتعريف)) 
ونلحظ أن الرازي وسم هذه المفردة بالفارسية ، وربما اتكأ في هذا التشخيص على الجوهري الذي سبقه في تشخيصها . في حين نرى أن يونس بن حبيب وضعها تحت نير العجمة في بادئ الأمر ومن ثَمّ أخرجها إلى فضاء العربية.
بالضم الـخابية فارسي مُعرب  والحُبُّ الجرة الضخمة ويجمع على حببة وحباب (64) ويعني المحبة عند الجوهري (11) وهو مولد حيث إن أصله ( خُنْب) فعُرّب إذ قلبت الخاء حاءً مع حذف النون فقالوا : حُبٌّ (12) ولم يخرج المحدثون عن طور القدماء من حيث دلالة هذه الكلمة وكذلك هي عندهم الجرة الكبيرة لحفظ الماء أو الغِلال إلا أنهم اختلفوا فيها جغرافيا إذ يرون أنها آرامية .
المبحث الرابع
العلامات الدالة على عجمة الكلمة :
تحدث اللغويون عن العلامات التي ترشد إلى الألفاظ الأعجمية . واستنتجوا أغلـب تلـك الملاحظات عند مقارنتهم طريقة تركيب الألفاظ العربية بالألفاظ المعربة . ومن هذه الملاحظات التي أشار إليها أئمة العربية(٧٩):
۱ـ خروج اللفظة عن أوزان الأسماء العربية نحو (إبريسم) فإن مثل هذا الوزن مفقود في أبنية الأسماء في اللسان العربي . وليس في كلامهم وزن (فعالان) كـ (خراسان) أعجمية . ولا (فاعيل) ، ولذا قيـل (آمين) عبراني. ولا (فعلل) بكسر الفاء وفتح اللام إلا درهم وهـبـلع وبلعم وضفدع في لغة ضعيفة
۲ـ اجتماع الجيم والقاف ، يقول الجواليقي "فمتى جاءتا في كلمة فاعلم أنها معربة" من ذلك (جرندق) و (المنجنيق) و (الجوق)
۳ـ اجتماع الجيم والصاد في كلمة مثل (صولجان) و(الجص) و(الصنجة) .
4ـ وقوع الزاي بعد الدال . من ذلك (المهندز) ، أبدلوا الزاي سينا ، فقال (المهندس).
٥- وقوع الراء بعد النون . من ذلك (نرجس) و (نورج)
6ـ أن تكون الكلمة رباعية أو خماسية خالية من حرف أو أكثر من حروف الذلاقة ، مثل (عقجش) و (سفرجل) وحروف الذلاقة هي (مربنفل)
٧ـ اجتماع الباء والسين والتاء مثل (البستان)
٨ـ الجيم والتاء لا تجتمعان في كلمة من غير حرف ذولقي ، ولهذا ليست الجبت من محض العربية(٨١) .
۹ـ الجيم والطاء لا يجتمعان في كلمة واحدة ، ولهذا كان الطاجن والطيجن مولدين، لأن ذلك لا يكون في كلامهم الأصلي(٨٢) .
١٠ـ لا يوجد في كلام العرب دال بعدها ذال إلا قليل . قال البطليوسي في شرح الفصيح : لذلك أبي البصريون أن يقولوا بغداذ بإهمال الدال الأولى وإعجـام الثانية . فأما الداذی(۸۳) ففاره لا حجة فيه(84) سی كلمة
١١ـ جاء في المحكم :"ليس في كلام العرب شين بعد لام في عربية"(85)
١٢ـ لم يجتمع في العربية سين وزاى ولا سين وذال معجمة إلا في كلمة معربة كـ(ساذج) معرب (ساده) مهملة و(سذام) اسم قبيلة معرب (سداب)(86) بهذه الوجوه يمكن معرفة عجمة الاسم من عربيته كما صرح به أئمة اللغة . وقد نبه علماء(٨٧)اللغة المحدثون على أدلة لم يضعها القدماء ضمن الأدلة التي تبين عجمة الكلمة الفارسية ، على الرغم من أن قسما منهم قد فطن إلى بعضهـا ، من تلك المـلاحظـات اللواحـق المشهورة في اللغة الفارسية (safflexes)، وأهمها: ۱ـ اللاحقة (ويه) قال الخفاجي(٨٨) "في سيبويه ونحـوه علامة تصغير . قال - يقصد الزمخشرى
١- في ربيع الأبرار إذا سمى أهل البصرة إنسانا بفيل وصغروه قالوا فيلويه كما يجعلون عمرا عمرويه وحمدا حمدويه" .
۲ـ اللاحقة (بان) و (ان) وهي لاحقة تدل على الحفظ والحراسة نحـو (مرزبان): حارس الحدود ، و(شادروان) حافظ الخيمة أو ستر عظيم يسدل سرادق السلاطين .
3ـ اللاحقة (جه) (tcheh) وتدل على التصغير نحـو (باغ) : حديقة و(بغجه) جنينة أو حديقة صغيرة .
4 ـ اللاحقة (دار) تدل على صاحب الشيء نحو (بازدار) حامل الباز أو الباشق أو الشاهين وهي طيور جارحة يصاد بها .
٥- مـن اللواحـق المكانيـة (سـتان) وتعنـي الأرض أو المكـان نـحـو (بـاك سـتان) الأرض المباركة و(بستان) من (بو): الرائحة و(ستان) المكان أو الأرض كما تدل على الكثرة في بعض الكلمات وتستعمل لاحقة زمانية نحو (تابسان): الصيف ، و(زمستان): الشتاء(۸۹) وإذا لم تتوفر أدلة صوتية أو بنائية لمعرفة أصالة الكلمة - عربية أم أعجمية - يمكن اللجوء إلى معطيـات حضارية ، أي مـن خـلال احتكاك الشعوب واختلاطهـا يـحـدث التأثير والتأثر، ودخول ألفاظ جديدة إلى اللغات المحتكة ، باعتبار أن اللغة وسيلة اتصال بين أبناء تلك الشعوب ، لأنها أداة يعبر بها كل قوم عن أغراضهم وحاجاتهم . "فاذا اتفق لفظان متقاربان لفظا ومعنى في لغتين وكانت بين أهل تينك اللغتين علاقات متبادلة من تجارة أو صناعة أو سياسة جاز لنا الظن أن أحدهما اقتبست من الأخرى . فإذا كان ذلك اللفظ من أسماء المحاصيل أو المصنوعات الأدوات يرجح إلحاقه باللغة السابقة إلى ذلك كلفظ (المسك) مثلا فإنه موجود في العربية وفي الفارسية وفي السنسكريتية وفروعها .. فإذا عرفنا أن المسك يحمل إلى العالم من تونكين وتيبت ، ونيبال والصين وأن الهنود القدماء كانوا يحملون الطيب إلى الأمم القديمة ويمرون بسفنهم ببلاد العرب ، ترجح عندنا أن العرب أخذوا هذه اللفظة من الهنود كما أخذها الفرس عنهم ، أو لعلها انتقلت إلى الفارسيـة من العربية ، لأن الفرس يعـدونـهـا عربيـة ، كمـا يعـدهـا العـرب فارسية.. أو هي في الفارسية باعتبارها أنها فرع من السنسكريتية"(٩٠) . د وهكذا مع بقية الألفاظ التي يمكن أن نتتبع أصولها ، للوصول إلى حقيقة استعمالها الأول. لعلنا نتوصل إلى نتائج مرضية لبعض منها ، فلكل لفظة ظروفها الخاصة التي مرت بها حتى انتقلت إلى الأخرى ، فتحتاج إلى دراية وروية ومثابرة في البحث كي يصيب الباحث الحقيقة عند البحث عن أصالتها معتمدا على أدلة علمية مقنعة وبراهين ثابتة
الخاتمة
الحمد لله تعالى الذي وفقنا في تقديم هذا البحث، وها هي الخطوات الأخيرة في مشوار هذا البحث، وقد كان البحث يتكلم عن (المعرب والدخيل )
وقد بذلنا كل جهدنا لكي يخرج هذا البحث في هذا الشكل، ونرجو من الله تعالى أن تكون رحلة ممتعة وشيقة، وكذلك نرجو أن تكون قد أرتقت بدرجات العقل الفكر.
حيث لم يكن هذا الجهد بالجهد اليسير، ونحن لا ندعى الكمال فإن الكمال لله عز وجل فقط. هكذا نحن قدمنا كل الجهد لهذا البحث، فإن وفقنا فمن الله عز وجل وإن أخفقنا فمن أنفسنا. وكفانا نحن شرف المحاولة، وأخيراً نرجو أن يكون هذا البحث قد نال إعجابكم.
وصل اللهم وسلم وبارك تسليما كثيراً على معلمنا الأول وحبيبنا سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام
المصادر
1- الازهري ، تهذيب اللغة: 2\316 ، الحضرمة، اللحن والخلط.
2- ابن عصفور الإشبيلي، الممتع في التصريف: 1\189؛ وأحمد الحملاوي، شذا العرف في فن الصرف: 41.
3- رشيد عبد الرحمن العبيدي، الأزهري في كتابه تهذيب اللغة، أطروحة دكتوراه، بإشراف: د. حسين نصار، القاهرة (1393ه\1998م).
4- أبو رياش أحمد بن إبراهيم القيسي، شرح هاشميات الكميت بن زيد الأسدي، تحقيق د. داوود سلوم ود. نوري حمودي القيسي (2010).
5- ابن منظور، لسان العرب ج9، ص 115-116، دار إحياء التراث العربي - بيروت، 1419ه-1999 م.
6- مجد الدين أبو طاهر محمد بن يعقوب الفيروزآبادی، القاموس المحيط، مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع،
7--المعرب من الكلام الأعجمي على حروف المعجم؛ الجواليقي، 5.
8- إصلاح المنطق ، لابن السكيت (ت244هـ) ،اعتنى بتصحيحه محمد مرعب ، ط1 ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت – لبنان ، 1423 / 2002 م .
9- تاريخ حضارة وادي الرافدين في ضوء مشاريع الري والزراعة والمكتشفات الآثارية والمصادر التاريخية ، دار الحرية للطباعة ... بغداد ،1983 م .
10- تهذيب اللغة ، لأبي منصور محمد بن احمد الأزهري ( ت370 هـ) تح عبد السلام محمد هارون ، ومراجعة محمد علي النجار . د- ت .
11- الجامع لأحكام القرآن ، لأبي عبد الله محمد بن احمد الأنصاري القرطبي ،(ت 671هـ)، تح عبد الحميد هنداوي ، المكتبة * الخصائص ، عثمان بن جني ، تح ، د- عبد الحميد هنداوي ، ط2 ، دار الكتب العلمية ، بيروت – لبنان 1424 هـ / 2003م .
12- الدراسات اللغوية في العراق في النصف الأول من القرن العشرين ، د. عبد الجبار جعفر القزاز ، دار الطباعة والنشر بيروت ، منشورات وزارة الثقافة والإعلام ، الجمهورية العراقية ،1981 م .
13- دروس في فقه اللغة ، د – نعمة رحيم العزاوي ، د- ت .
14- ديوان أبي نواس ، وضعة ورتبه ، محمود كامل فريد ، مطبعة الفجالة الجديدة . د- ت
15- ديوان الأعشى ( الصبح المنير ) طبع في مطبعة آدلف هُلز هوسن ، بيانه ، 1927م .
16- ديوان ذي الرُّمة ، غيلان بن عُقبة قدم له وشرحه احمد حسن بسج، ط1 ، دار الكتب العلمية ، بيروت – لبنان ,1415هـ/1995م.
17- شرح ابن عقيل ، بهاء الدين عبد الله بن عقيل العقيلي الهمداني المصري ( ت769هـ ) تح : محيي الدين عبد الحميد ، ط7 ، انتشارات ناصر خسرو ، طهران ، 1382 ش / 1424 ق .
18- شفاء الغليل فيما في كلام العرب من الدخيل ، شهاب الدين احمد الخفاجي (ت1069 هـ ) تصحيح وشرح : د – محمد كشاش ، ط1 ، دار الكتب العلمية ، بيروت – لبنان ، 1418 هـ / 1998م .
19- الصاحبي في فقه اللغة وسنن العربية في كلامها، أبو الحسن احمد بن فارس ( ت395 هـ) تح مصطفى الشويمي ، مؤسسة أ- بدران للطباعة والنشر بيروت – لبنان ، 1383 هـ /1964م.
20- الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية ، إسماعيل بن حماد الجوهري (ت393هـ) تح احمد عبد الغفور عطار ، دار العلم للملايين ، بيروت – لبنان د- ت .
21- العين ، الخليل بن احمد الفراهيدي ،(175هـ) تح : د - مهدي المخزومي و د . إبراهيم السامرائي ، العراق ،1982م .
22- فصول في فقه العربية ، د .رمضان عبد التواب ، مكتبه الخانجي بالقاهرة . د- ت .
23- فقه اللغة ، علي عبد الواحد وافي ، القاهرة ، 1956م .
24- فقه اللغة العربية ، د- كاصد ياسر الزيدي ، جامعة الموصل ، 1407 هـ / 1987 م .
25- فقه اللغة وخصائص العربية ، محمد المبارك ، بيروت ، 1964م.
26- في فقه اللغة العربية ، أ- د. محمد فريد عبد الله ، دار ومكتبه الهلال للطباعة والنشر ، بيروت – لبنان 2009م العصرية ، صيدا – بيروت – لبنان ، 1427هـ/2006م .


author-img
اهلا بكم الابداع الهندسي

تعليقات