جيء بفريد إلى السجن بعد انتهاء محاكمته بحكم القاضي عليه بالسجن ثلاثة أعوام.رأى سجناء كثُراً بعضهم مستلق على سريره والبعض الآخر جالس عليه.ظل واقفا ينظر إلى السجناء إلى أن قال له أحدهم باستهزاءٍ:
-مرحبا بالسجين الجديد.
فاستلقى،عندئذ على سرير خالٍ،كان بالقرب من الباب.ووضع رأسه على يديه كلتيهما.وأغمض عينيه.ثم فتحهما.نظر إلى الباب المغلق بالمفتاح أمامه.فشعر وكأنه طائر مسجون في قفص يمنعه من التحليق عاليا في السماء بحريةٍ.تذكّر أيام الحرية التي عاشها قبل أن يؤتى به إلى هنا.تلك الأيام لم يكن فيها محروما من حريته كما حُرم منها الآن.في تلك الأيام،يستنشق هواء الشوارع..يرى أسراب الحمام متجمعة في الساحات،يرى القمر مضيئا،والأنجم لامعة متلألئةً.أما الآن فتلك الأيام عبارة عن ذكرى.لن يرى ما كان يراه أو يشعر بما كان يشعربه قبل ثلاث سنوات تظل فيها الجدران والباب عوائق أمام استعادة الحرية.
أغمض فريد من جديد عينيه محاولا النوم ونسيان فقدان الحريةو عدم استرجاع ذكريات حريته المفقودة.
قام أحد السجناء من مكانه وأتى إلى فريد. وقال له:
-أخي.
فالتفت إليه فريد.فَصَافَحَهُ وجلس على كرسيٍّ صغير.وسأله قائلا:
-مااسمُك؟
-فريد.
-أمّا أنا فاسمي عليٌّ.ما التهمة التي أَتَتْ بِكَ إلى السِّجن؟
-السَّرِقَةُ.
-كمْ سرقْتَ؟
-لم أسرق شيئاً.فأنا بريءٌ.
-إن كنت بريئا فَلِمَ جِيءَ بك إلى هنا؟
-لم يكن لي محام يدافع عني ولا شهود يشهدون ببراءتي.وأيضا فإن القاضي لايمكن أن يكون عادلا دوما.فإن لم يكن هناك شهود يشهدون ببراءة المتهم أو دلائل مرئية.فإنه يحكم على المتهم بحُكم السجن أو غيره ويعتقد أنه عدل ولم يظلم.
-إن كنت بريئا فسيفرج عنك إن شاء الله تعالى قريبا.
-لم تصدق أني بريء.
-لايمكنني تصديق براءتك من التهمة بما قلت قبل قليل.فليس كل من تبرأ من تهمة بريء منها.
-صدّق أولاتصدق.لايهمني.فأنا أعرف نفسي جيّدا.
وقف ورجع إلى سريره.فنام فريد كي لا يأتي إليه سجين آخر لايصدق براءته مما جاء به إلى هنا.
بعد ثلاثين دقيقة،استفاق.فأتى الحارس وفتح باب السجن وناداه.فذهب إليه.وقال الحارس:
-لك زيارة.
-من الزائر؟
-أخبرني الزائر أنه صديق له.
أخذ الحارس فريدا إلى حيث يتواجد الزائر.فرأى فريد صديقه عثمان.ففرح وابتسم.وعانق كل منهما الآخر.وجلس كل منهما في كرسيِّه.أعلمهما الحارس قائلا:
-لكما خمس دقائق فقط.
فرد عليه عثمان:
-لن نتكلم أكثر منها.
قال فريدٌ لعثمان سائلا:
-كيف حالُك أيها الصديق العزيز؟
-الحمد لله.أنا على أفضل حال.وأنت؟
-أنا بخير في أول أيامي في السِّجن.
-عند محاكمتك،لم يكن هناك شهود يشهدون ببراءتك؟
-نعم.ولم يكن لي محام يدافع عني.فلا مال لدي لأدفعه له مقابل الدفاع عني.حضر محكامتي،أناس من جيراننا.لم يدافعوا عني رغم أنهم يعلمون جيدا أني خلوقٌ..شهدوا ضدي عند محاكمتي.
-أناس من جيران حيّك يشهدون ضِدَّكَ عِوَض أن يشهدوا لصالحك!
-كما تعلم،كل شيءٍ يشترى بالمال حتى شهادات الزور الباطلة.أتمنى أن تظهر الحقيقة قريبا ويفرج عني.
-كن على يقين أن حريتك ستعود وأن السارق الحقيقي سيؤتى به إلى هنا إن شاء الله تعالى.
قال لهما الحارس بعد خمس دقائق:
-انتهى الوقت الذي سمحت لكما بالتحدث فيه.
فقاما معا وعانق كل منهما الآخر.وعد عثمان فريدا بالزيارة كل آخر أسبوع وغادر.فأعاد الحارس فريداً إلى السجن.فاستلقى على سريره من جديدٍ.
بعد ثلاث سنواتٍ،قضاها فريدٌ في السجن.أتى الحارس صباحا وأخبره وهو مبتسم أَنَّهُ أُفرجَ عنه اليوم.فشكره فرِحاً.وخرج من السجن مبتهجا.الآن استعاد حريته.استنشق الهواء،رأى طيورا كثيرة تحلق في السماء عاليا بحرية،أغلق باب الذاكرة على سنين السجن الثلاث إلى الأبد.
تعليقات
إرسال تعليق